الرئيسية - أخبار - المعركة الانتخابية في كيبيك-كندا و نتائجها ( الحلقة الثالثة ) مشروع قانون حظر الرموز الدينية

المعركة الانتخابية في كيبيك-كندا و نتائجها ( الحلقة الثالثة ) مشروع قانون حظر الرموز الدينية

الحلقة الثالثة

حسن غية، مهندس و محامي متقاعد

 

يوم الاثنين الاول من تشرين الاول ( أكتوبر ) ادلى المواطنون في كيبيك باصواتهم في صناديق الاقتراع و تم انتخاب حكومة جديدة.  في الحلقة الاولى قدمنا تحليلا لنتائج الانتخابات.  في الحلقة الثانية تحدثنا عن البرنامج الانتخابي لحزب الكاك الذي فاز في هذه الانتخابات و الخلفيات التاريخية لقانون حظر الرموز الدينية الذي يريد ان يقدمه هذا الحزب للبرلمان الجديد.  في  هذه الحلقة سنتكلم عن هذا القانون و ما يترتب عليه شعبيا و دستوريا و قضائيا و سياسيا.

 

مباشرة بعد الانتخابات و قبل ان يؤدي النواب المنتخبون اليمين الدستورية و قبل ان تشكل الحكومة صرح الناطقون باسم الحزب المنتخب ان قانون حظر الرموز الدينية سيكون اول او احد أوائل القوانين التي ستعرض على البرلمان الجديد.  هذه العجلة في الحديث عن هذا القانون تفضيلا له على غيره من القوانين التي من المفترض ان تعالج تحديات كثيرة يواجهها المجتمع جعلت الكثيرين من أبناء الاقليات يتوجسون خيفة من القانون و أهدافه.  بعد التصريحات الأولية عاد رئيس الوزراء و صرح بان القانون لن يعرض على البرلمان قبل الربيع القادم.

 

١- هدف مشروع قانون حظر الرموز الدينية:

 

خلال الحملة الانتخابية و الاعوام التي سبقتها كان حزب الكاك يردد انه عند وصوله الى السلطة سيقوم بالإجراءات اللازمة لتأكيد حيادية الدولة و حماية العلمانية و الحفاظ على الهوية القومية للشعب الكيبيكي.   كان الحزب يردد انه لتحقيق هذه الأهداف لا بد من إصدار قوانين  لمنع موظفي القطاع العام الذين لهم سلطات قسرية على الآخرين من استعمال الرموز الدينية.  هذه الرموز تتلخص بالحجاب الذي ترتديه المسلمات و القبعة التي يرتديها الرجال اليهود و العمامة التي يرتديها الرجال السيخ و الصليب الذي عادة ما تضعه السيدات المسيحيات.

 

اما الموظفون الذين يعتبر الحزب انهم يتمتعون بسلطة قسرية على الآخرين فهم القضاة، حراس السجون، مأمورو الشرطة، المعلمون، و مربيات الأطفال.  كان زعيم الحزب و ممثلوه يرددون انهم سيستلهمون القانون الجديد من توصيات تقرير بوشار-تايلور الذي اصدر عام 2008 كما ورد في الحلقة الثانية  ولكن الحزب ذهب الى ابعد ما ذهب اليه تقرير بوشار-تايلور بإضافته المدرسين و حاضنات الأطفال الى الموظفين الذين سيقع عليهم الحظر برغم ان تقرير بوشار-تايلور أوصى بغير ذلك كما مر معنا.

 

٢- التبعات الشعبية:

 

الذي يتخوف منه الكثير من المراقبين هو ان خطر قانون حظر الرموز الدينية قد يتخطى أهداف القانون و نصوصه.  الذي يخشى منه هو ان النقاش العام الذي سيدور حول القانون قد يفجر طاقات سلبية تؤدي الى شرخ في المجتمع كما حصل خلال النقاش حول ما اطلق عليه اسم :”التسويات المعقولة” التي أدت الى إصدار تقرير بوشار-تايلور و النقاش الذي حصل عندما قدمت حكومة السيدة بولين ماروا مشروع شرعة القيم الكيبيكية.  لقد احتد الصراع في تلك الفترات و خرج عن إطار النقاش الى نطاق التعصب و المضايقات التي تعرضت لها بعض المسلمات المحجبات في الأماكن العامة.  لقد تصور حينها بعض المتشددين انهم بالتضييق على الاقليات يدافعون عن حقوقهم كأكثرية و يحافظون على هويتهم القومية.  لقد اطلق النقاش العام حول مسألة العلمانية العنان في وسائل الاعلام و شبكات التواصل الاجتماعي للإشاعات المغرضة و ثقافة التخويف من الآخر.  طبعا ان الحوار حول حقوق الأكثرية و حقوق الاقليات بهدف إعطاء كل ذي حق حقه امر صحي اذا ما تم بطريقة حضارية و باتباع مبدإ الاحترام المتبادل.  اما ان يحصل النقاش في جو محموم يشجع ثقافة الكراهية و التخويف من الآخر ستكون له آثار سلبية على المجتمع ككل و ليس فقط على أبناء الاقليات.

 

٣- التبعات الدستورية:

 

طبعا كندا بما فيها كيبيك دولة قانون.  القانون ينظم المجتمع و يفصل السلطات بين الحكومة الاتحادية و حكومات المقاطعات و يحمي المواطنين من تعسف الحكام.  كما ان هنالك فصل بين السلطات التنفيذية و التشريعية و القضائية.  الدستور الكندي يعطي للسلطة القضائية الحق بمراقبة السلطة التشريعية حتى لا تصدر قوانين تتعارض مع الدستور و الحق بمراقبة السلطة التنفيذية حتى لا تنفذ القوانين بطريقة تتعارض مع احكام القانون.  لمقاطعة كيبيك شرعة حقوق تسمى” ميثاق حقوق الانسان و الحريات”.  هذه الشرعة تعتبر بمثابة دستور بحيث ان البرلمان الكيبيكي لا يحق له إصدار قوانين تتعارض مع هذا الميثاق الا من خلال آلية خاصة نص عليها الميثاق نفسه.  الدستور الكندي ايضا يتضمن شرعة حقوق تسمى “الميثاق الكندي للحقوق و الحريات”.  كما انه لا يحق للبرلمان الكيبيكي ان يصدر اَي قانون يتعارض مع الميثاق الكيبيكي كذلك لا يحق لأي برلمان في كندا، بما فيه البرلمان الاتحادي و برلمان كيبيك، إصدار أي قانون يتعارض مع الميثاق الكندي.  الميثاق الكيبيكي و الميثاق الكندي يضمنان الحريات الشخصية و حرية المعتقد و حرية الممارسة الدينية.  عندما يصوت برلمان ما في كندا على قانون معين و يرى ان هذا القانون قد يتعارض مع الميثاق و قد يحد من الحريات التي يضمنها الدستور، يسمح الميثاق للبرلمان بإصدار القانون اذا تضمن مادة تسمى ” مادة الاستثناء” .  هذه المادة تصرح بان القانون ينطبق رغم معارضته للدستور.  و لكن الميثاق الكندي ينص على ان مادة الاستثناء مؤقتة وليست ابدية و تنتهي صلاحيتها بعد المدة التي يحددها القانون نفسه او بعد مرور خمسة سنوات على التصويت عليها.

 

هذا الحديث عن الحقوق التي يضمنها الميثاق الكيبيك و الميثاق الكندي فرض نفسه لان الحقوقيين يحذرون السيد كويار كما حذروا السيدة ماروا من قبله ان قانونه المقترح سيتعارض مع مباديئ الميثاقين و كان الجواب الأولي ان الحكومة ستلجأ لمادة الاستثناء.

 

٤- التبعات القانونية:

 

اذا ما تم إصدار قانون حظر الرموز الدينية كما تتحدث عنه الحكومة المنتخبة، سواء باللجوء الى المادة الاستثنائية او بدونها، سيكون هنالك بدون شك بعض المتضررين الذين سيحرمهم القانون من حقوقهم الدستورية و من وظائفهم ايضا.  بامكان المتضررين التوجه الى المحاكم لرفع الغبن.  من حق المحكمة ان تنظر بدستورية القانون حتى و لو كان يحتوي على مادة الاستثناء.  و ذلك لان مادة الاستثناء ليست عصى سحرية تذلل كل الصعوبات و تسمح للحكومة ان تفعل ما تشاء.  يجب على الحكومة ان تثبت للمحكمة ان هنالك حالة طوارئ تسمح بالانتقاص من بعض الحقوق الدستورية من باب قبول ضرر اقل لرفع ضرر اكبر، كأن تقول الحكومة ان الرموز الدينية تشكل خطرا كبيرا على حيادية الدولة.  طبعا هذا امر من الصعب اثباته لان محكمة حقوق الانسان منذ تأسيسها حتى الآن لم تتلق حتى و لو شكوى واحدة بسبب حالة غبن تعرض لها مواطن بسبب تمييز ناتج عن الرموز الدينية.

و لذا فانه من غير المستبعد ان تتوصل المحاكم الى قرار بان القانون يخلق مشكلة حقيقية ليحل مشكلة غير حقيقية و التالي تحكم بعدم دستورية القانون و تطلب من الحكومة إلغاءه او تعديله بحيث يتلاءم مع احكام الميثاق.

 

٥- التبعات السياسية:

 

حزب التحالف من اجل مستقبل كيبيك يحتج بوجود اجماع كيبيكي حول مسألة العلمانية.  هذا صحيح.  هنالك اجماع على العلمانية و على ضرورة حيادية الدولة.  ولكن علمانية الدولة و حياديتها لا تعني علمانية المواطنين.  الدولة لا دين لها و لكن للمواطن الحق باتباع الدين الذي يختاره كما ان له الحق بان يكون ملحدا و الا يكون من اتباع أي دين.  و لكن كما انه لايحق لأحد ان يفرض دينه على احد فكذلك لا يحق للملحد ان يفرض إلحاده على الآخرين.

 

هنالك نقطة بالغة الأهمية ظهرت للعيان في تصريحات زعيم الحزب وممثليه خلال النقاش حول القانون الذي يخطط له الحزب.  هذه النقطة المهمة هي ان الحزب يريد ابقاء الصليب الذي يتصدر الجدار خلف رئيس البرلمان الذي هو السلطة التشريعية التي سيصدر عنها قانون حظر الرموز الدينية.  كما ان الحزب صرح بان الصلبان ستبقى في قاعات المحاكم حيث سيحظر القانون على القضاة و مسؤولي الأمن إظهار الرموز الدينية حفاظا على حيادية الدولة.  لقد برر رئيس الوزراء الجديد هذا القرار بقوله ان الصليب لا يعتبر رمزا دينيا و لكنه يعبر عن القيم المسيحية و كأن المسيحية ليست دينا.  طبعا الإبقاء على الصليب تحت قبة البرلمان و في المحاكم مخالف لتوصيات تقرير بوشار-تايلور الذي يقول الحزب انه سيستلهم من توصياته القانون الجديد لان هذا التقرير أوصى بإخراج الصليب من قاعة البرلمان.  كما ان ابقاء الصليب يسبب حرجا لانصار العلمانية الذين يقول الحزب انه يريد نصرتهم من خلال هذا القانون و ذلك لان الصليب في البرلمان ليس مجرد تعبير عن القيم المسيحية كما يقول السيد فرانسوا ليغو و انما وضع حيث هو في البرلمان عام 1936من قبل رئيس الوزراء  آنذاك السيد موريس دوبليسي ليؤكد تحالف الدولة مع الكنيسة الكاثوليكية.  هذا التحالف احكم سيطرة الكنيسة على الكثير من مرافق الدولة في الفترة التي يسميها المؤرخون الكيبيكيون بفترة الظلمة العظمى والتي أدت الى الكثير من التجاوزات التي عانى منها الكيبيكيون و التي جاءت الثورة الهادئة للتخلص منها. لقد قامت الثورة الهادئة لإنهاء تدخل الدين بشؤون الدولة و يقول الحزب الحاكم الآن انه يريد الحفاظ على اهم رموز هذا التدخل تحت قبة البرلمان الذي هو اهم رموز الديموقراطية في الدولة.  اضافة الى مخالفة توصيات بوشار-تايلور و أحراج أنصار العلمانية فان ابقاء الصليب في البرلمان و في المحاكم يشكل تحديا لمصداقية الدولة في حديثها عن حيادية الدولة و ذلك لان الرسالة الخفية التي ترسلها الحكومة لأبناء الاقليات الدينية التي سيحرمهم القانون من بعض حقوقهم الدستورية في الحرية الشخصية و الدينية والمساواة.  هذه الرسالة توحي بان الدولة التي هي دولة جميع المواطنين تفضل فئة من المواطنين على غيرها و تفضل دينا على الأديان الاخرى.

 

بالاضافة الى المسائل السياسية و الدستورية و القانونية  هنالك مسألة اجتماعية و اقتصادية.  ان حرمان بعض المواطنين من حق الوظيفة بسبب قناعاتهم الدينية سيحرم المجتمع من كفاءاتهم.  المتضرر لن يكون المواطن المحروم من الوظيفة وحده و انما المجتمع ككل لانه سيحرم من الاستفادة من كفاءة هؤلاء الناس.

 

و اخيرا، ان الحديث عن الاجماع الشعبي حول مسألة العلمانية و التفويض الذي حصلت عليه الحكومة الحالية لتطبيق برنامجها بما فيه قانون حظر الرموز الدينية فهو كلام مبتور.  كما بينا في الحلقة الاولى من هذا المقال الحكومة الحالية حصلت على 37,4 % من أصوات المنتخبين و اذا أخذ بعين الاعتبار ان ثلث الناخبين لم يصوتوا نجد ان الحكومة الحالية حصلت على دعم     24,4%  فقط من عدد الناخبين.  الكثير من الذين صوتوا لم يصوتوا بالضرورة للحزب الفائز وإنما صوتوا من اجل التغيير.  بالتالي فانه من مصلحة الحزب ان يتوخى الحذر في التعاطي مع الانتقاص من الحقوق التي يضمنها الدستور لان المجتمع الكيبيكي اثبت عدة مرات انه ينبذ التطرّف و يفضّل التعاون و الوئام و الانسجام على التعصب و التصادم.

 

عن Azziz_Bakouch

عزيز باكوش 2. مكلف بالإعلام والاتصال بالأكاديمية الجهوية للتربيةوالتكوين بجهة فاس بولمان 3. كاتب مهتم بشؤون الإعلام في مختلف تجلياته 4. مراسل معتمد لجريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية 5. مدير موقع فاس اليوم الالكتروني fes-today. com

شاهد أيضاً

Fes/ SocieteSnsibilisation au don du sang : beaucoup reste à faire…

Fes/ Societe En clôture de la campagne du don de sang qu’elle a organisée du …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *