الرئيسية - أخبار - بعض مظاهر التفكير اللغوي عند أبي حيان الأندلسي من خلال “ارتشاف الضرب من لسان العرب ” دراسة صرفية -تركيبية

بعض مظاهر التفكير اللغوي عند أبي حيان الأندلسي من خلال “ارتشاف الضرب من لسان العرب ” دراسة صرفية -تركيبية

جامعة سيدي محمد بن عبد الله مركز دراسات الدكتوراه ” اللغات والآداب والتواصل

كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس  فاس

ذ.فتيحة اليحياوي

                         ملخص  بحث الدكتوراه

 

ينطلق هذا البحث من فكرة مفادها أن أعمال النحاة العرب لا يمكن أن تفصل عن بنية التفكير النحوي العامة للتوجه العام للفكر العربي الإسلامي.ويقصد بالتفكير النحوي، النحو العربي في مستوياته وأصوله المبدئية وما يعالج من مسائل تتعلق بالتحليل كأقسام الكلام، ومقولة العمل الإعرابي والوظائف النحوية والمحلات الإعرابية في بنية الجملة.

وإيمانا منا بقيمة التراث اللغوي العربي الذي لا يخفى على المتخصصين ما قدمه في تاريخ الدرس اللغوي في مسيرته الطويلة، يأتي هذا البحث لبنة إضافية إلى الكتابات التي أثار اهتمامها التراث اللغوي العربي حيث انهالت عليه بالدرس والتحليل في جميع مستوياته اللغوية، سواء تعلق الأمر بالمستوى الصوتي أو الصرفي أو التركيبي والدلالي في إطار نظري، نحاول من خلاله رصد مظاهر التفكير النحوي العربي انطلاقا من تعدد المدارس النحوية العربية، وتطور آليات اشتغالها واختلاف الأصول التي قامت عليها، وآخر تطبيقي نهدف من خلاله الوقوف على ما وصل إليه الدرس اللغوي العربي في نموذج من هذه النماذج (المدارس اللغوية)، يتمثل في نموذج المدرسة الأندلسية، ممثلين لها بأحد أعلامها المتأخرين “أبي حيان الأندلسي الغرناطي النفزي المصمودي“- الذي اشتغل بكتب المشارقة دراسة وشرحا، معارضة واختصارا، إلى جانب ما ألفه في شتى العلوم من فقه ولغة وحديث، ودراسات صرفية ونحوية، فقد أبدى إعجابه بالإنتاج اللغوي الشرقي، وشغف بالغ بدراسته وتذوقه ،لأنه كان يتطلع إلى الشرق العربي على أنه مهد الحضارة والعلم؛ومن ثم تعددت أبرزالعوامل المؤثرة  في نهضة اللغة بالأندلس فمكنتهم من الرقي بالعلم خاصة علوم اللغة العربية كما مكنت أصحاب اللغة الذي ينتمي لمدرستهم من إنشاء مذهب أندلسي محض ارتشف مما سبقه وانفرد بعدة خصائص لم تكن قبله.

ومما لا شك فيه أن النحو في بلاد العرب قد بلغ إلى حد ما أقصى مداه في بلاد الأندلس في القرن السابع على يد مجموعة من اللغويين العرب من خلال مصنفاتهم التي أفادت النحو ك”ابن عصفور”(669هـ-1270م) وابن الضائع (680هـ)، وابن مالك   (672هـ) و”أبو حيان الأندلسي”(توفي سنة 745هـ)، اللذين تأثروا بشكل كبير بكتاب سيبويه الإمام الذي حذوا حذوه واقتدوا به وكان من ذلك نسيج جيد من مدرسة أندلسية أدت دورها بما لا يقل عن دور المدرسة البغدادية والبصرية والمغربية قبله

وبناءا على هذا وقع اختيارنا على دراسة بعض مظاهر التفكير اللغوي والنحوي عند أحد أعلام هذه المدرسة وهو “أبوحيان الأندلسي الغرناطي النفزي المصمودي” الذي ولد وسط جو متنافس أهله للتباري في تصنيف المؤلفات وتنويع الإنتاج، لأنه نهل من معين علماء الأندلس الذين سبقوه والذين عاصروه على حد سواء فألف كتبا ك “البحر المحيط” في تفسير القرآن الكريم وشرح كشرحه كتاب “التسهيل” لـ”ابن مالك” المسمى”التذييل والتكميل” كان نتيجة لذلك أن ألف كتابه الزلال الصافي “ارتشاف الضرب من لسان العرب” – الذي كان على حد قول بعضهم- “كالرؤية من العين والنور من الشمس والثمرة من الشجرة، وبحق لقد تنسم النحو نسيما طالما اشتاق إليه منذ زمن طويل ليصل إلى حيز ما يشاء ويشتهي”[1]، كما اعتبر هذا المصنف من   أهم كتب النحو  الجامعة للمسائل التعليمية وقضايا اللغة العربية مما سيجعل معالجتنا لنصوصه معالجة لكل نصوص النحو العربي المتقدمة والمتأخرة.

وقد أخذ “أبو حيان” على نفسه أن يبسطه ولا يشغل كاهله بالتعليل. ومما تميز به أيضا الاختصار والتركيز من جهة، وبالشمولية لمختلف قضايا النحو من جهة أخرى، و نظرا لهذه الأسباب فقد اخترناه مجالا لإبراز بعض معالم الدراسة الصرفية التركيبية العربية عامة وعند هذا العالم الجليل خاصة؛ حيث حاولنا رصد أسس التفكير النحوي لديه والعوامل التي أثرث في شخصيته النحوية هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإننا اخترنا هذا الكتاب لما له أهمية عظيمة حظي بها انطلاقا من مميزاته المنهجية والمضمونية اللتين جعلتاه يحتل مكانة مرموقة داخل الكتابة النحوية؛ ولمحاولته هيكلة قضايا النحو العربي في مستوياته الأربعة صواتة وصرفا وتركيبا ودلالة وفق منهج تأليفي ينطلق من أبسط الوحدات اللغوية (الحروف) إلى أكبرها (الجملة/الكلام) مما جعله يقارب التصنيف الحديث لمستويات اللغة.

ومما تجدر الإشارة إليه  فإن الفكر النحوي عند “أبي حيان” يمكن أن يدرس من زوايا متعددة فالمفسر يدرسه من وجهة نظر اهتمامه بتفسير النص القرآني والنحوي يدرسه من  أجل معالجة  قضايا العربي لذاته. أما في هذا البحث  فقد حاولنا رصد أسس التفكير النحوي عند صاحب كتاب “ارتشاف الضرب من لسان العرب” وصفا وتفسيرا ومقارنة ، وإعادة بناء.

  • خطة البحث

وبناءا على ذلك فقد قسمنا هذا البحث المتواضع إلى مقدمة، وثلاثة أبواب وخاتمة عامة، وفيما يلي نظرة موجزة حول أهم النقط المتناولة فيها:

المقدمة: أشرنا فيها إلى موضوع البحث والزوايا التي عالجنا من خلالها أهم إشكالات البحث،أما المدخل فضمناه أهم أساسيات البحث،إذ أشرنا فيه إلى أهمية الموضوع، والأهداف المتوخاة منه، إلى جانب الدوافع التي جعلتنا نوجه الدراسة للمادة الصرفية والنحوية في “ارتشاف الضرب من لسان العرب”، من خلال مجموعة من الإشكاليات العلمية التي حاولنا الإجابة في هذا البحث المتواضع.

 الباب الأول: التفكير النحوي عند أبي حيان الأندلسي”الأسس المعرفية والمنهجية واللغوية”

حيث قسمناه إلى تمهيد وفصلين وخاتمة؛ ففي التمهيد أبرزنا الجوانب النظرية التي تناولناها في الفصلين معا والتي مكنتنا من وضع موضوع البحث في سياقه النظري العام.

الفصل الأول: التفكير النحوي في الدرس اللغوي العربي

قسم هذا الفصل إلى ثلاثة محاور أساسية:

المحور الأول تحدثنا فيه عن مفهوم التفكير النحوي ومظاهره من خلال التطورات التي عرفها الدرس اللغوي العربي في مدارسه، ومستوياته وأصوله المبدئية من أجل درك الأسس النظرية والمنهجية للتفكير النحوي واللغوي عند أبي حيان الأندلسي.

أما المحور الثاني، فقد خصصناه للحديث عن المناخ الفكري والثقافي الذي أثر في شخصية أبي حيان الأندلسي النحوية؛ ولإلقاء الضوء على الحركة اللغوية التي كانت في بلاد الأندلس، والتي ظهرت في القرن الخامس الهجري الذي كان مشرق نهضة الأندلسيين في مجالات الأدب والشعر وعلوم اللغة من نحو وصرفوغيرها.

وأما المحورالأخير، فقدمنا فيه نبذة عن أبي حيان ومكانته العلمية، ومذهبه من خلال الوقوف على العوامل التي أثرت في شخصيته النحوية وجعلت منه ذو ثقافة واسعة، فكان إمام عصره، ولغويه ومفسريه ، وأوفى العصر الذي عاش فيه مبلغه من العلم فارتشف من النحاة المتقدمين أو المعاصرين له، فصح قولهم أنه “شيخ النحاة بامتياز”.

الفصل الثاني: الأسس المنهجية والروافد التي ساهمت في بناء الفكر النحوي لأبي حيان الأندلسي.

قسم هذا الفصل بدوره على ثلاثة محاور، تناولنا في المحور الأول الاتجاه المذهبي في النحو عند أبي حيان موضحين مواقفه من الأصول النحوية السماع والقياس، حيث حددنا رؤية “أبي حيان” للنصوص المسموعة، كما فصلنا القول في كيفية استشهاده بمختلف الشواهد، كالقرآن والحديث وكلام العرب مبينين موقفه من الاحتجاج بهذا الأخير.

المحور الثاني تحدثنا فيه عن منهجية البحث النحوي عند أبي حيان مبينين آراءه المؤيدة أو المخالفة للمدارس اللغوية، بدءا من مواقفه من مدرسة البصرة ثم مدرسة الكوفة، وصولا إلى مواقفه من بعض النحاة الذين عاصروه في المدرسة الأندلسية.

المحور الأخير عنوناه “بأبي حيان بين التبعية والاجتهاد من خلال موضوعات ارتشاف الضرب من لسان العرب”، فخصصناه للتعريف بالمؤلف ورصد بعض مظاهر التجديد فيه موضحين ما إذا كان أبو حيان مجددا أو مقلدا سواء على المستوى المنهجي أو المضموني للقضايا المعالجة في مصنفه.

وتعتبر مباحث هذا الباب في نظرنا مقدمات ضرورية تحدد الإطار النظري والسياق المعرفي لموضوع البحث؛ مما مكننا من دراسة على المستوى الصرفي والتركيبي،  ورصد مظاهر التفكير النحوي عند أبي حيان من خلال تحليلنا لقضايا لغوية في المستويين التصريفي والتركيبي المطروحة في الارتشاف.

الباب الثاني: المستوى التصريفي عند أبي حيان من خلال الارتشاف وعلاقته بمكونات اللغة.

وقسمناه إلى مدخل وفصلين وخاتمة:

المدخل: خصصناه لإلقاء نظرة موجزة حول التصريف في الدرس العربي، حيث قدمنا تعريفا دقيقا من خلال  بعض الدراسات الصرفية التي حاولت التنظير لمستويات لبناء الكلمة سواء في الدرس اللغوي العربي القديم أو الدراسات اللسانية الحديثة ،التي ميزت بين المستوى الصوتي والمستوى الصرفي كما تحدثنا أيضا عن مفهوم الصرف وأقسامه عند أبي حيان الأندلسي داخل مصنفه “ارتشاف الضرب” حيث لاحظنا أنه هو وباقي النحويين القدماء يدرسون الظواهر المتعلقة بالجانب الصوتي والمتعلقة بالجانب الصرفي في مستوى واحد أطلقوا عليه مصطلح “التصريف”.

الفصل الأول: بعض القضايا الصوتية المتناولة في الارتشاف

ويتكون هذا الفصل من تمهيد ومبحثين وخاتمة:

ففي التمهيد أبرزنا أهمية الدراسات الصوتية في الثقافة العربية قبل أبي حيان حيث ارتبطت أول الأمر بعلماء التجويد وبالقراءات القرآنية. إلا أن النحاة واللغوين لم يعالجوا الأصوات لذاتها، وإنما عالجوها بوصفها مدخلا لدراسة الصرف من إدغام وإعلال وإبدال.

وأما المبحث الأول؛ فقد عالجنا فيه بعض القضايا الصوتية المطروحة في الارتشاف واقتصرنا على تلك القضايا الصوتية المستقلة عن السياق، أما المبحث الثاني فعالجنا فيه الظواهر الصوتية السياقية كالإدغام والإمالة والوقف.

الفصل الثاني: بعض القضايا الصرفية المتناولة في الارتشاف

قسم بدوره إلى تمهيد أشرنا فيه إلى أهمية الصرف عند “أبي حيان” داخل كتابه  موضوع الدراسة وإلى المنهجية التي تناولها في تقسيمه قضايا مصنفه، التي كشف عنها في مقدمة كتابه حيث قال “وقسمته إلى جملتين الأولى في أحكام الكلم قبل التركيب والثانية في أحكام الكلم حال التركيب”[2].

أما مباحث هذا الفصل فخصصناها لتحليل ودراسة بعض االظواهر الصرفية  التي رأيناها تستحق الخوض والدراسة، لما لها من أهمية في الدرس اللغوي العربي كأبنية الأسماء والأفعال، والمجرد والمزيد، والجموع، والتعريف والتنكير، موضحين في الوقت نفسه الأصول التي اعتمدها أبي حيان في تناوله لقضايا الصرف ومحاولين الوقوف على ما إذا اكتفى هذا العالم الجليل بما توصل إليه سابقوه ك “ابن عصفور” أو جاء بأمور جديدة يعتبر بها مجددا في مجاله أم اكتفى بشرح وجمع ما وصل إليه سابقوه في هذا المجال كابن عصفور مثلا، أو جاء بأمور جديدة يعتبر بها مجددا في مجاله بخلاصة،ثم ذيلنا هذا المبحث بخلاصة.

الباب الثالث: المستوى التركيبي داخل الارتشاف “آليات تحليل الجملة عند أبي حيان الأندلسي”

يتكون بدوره من مدخل وفصلين إثنين، وخاتمة:

تناولنا في المدخل أهمية المستوى التركيبي سواء في الدراسات اللغوية المعاصرة في التفكيرالنحوي العربي القديم، فقد اعتبرت الدراسة التركيبية منتهى كل المباحث والأبواب على اختلاف مستوياتها لأن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن ليضم بعضها  إلى البعض فيعرف ما فيها من فوائد.[3] ونظرا لأن الجملة هي أساس التركيب فلقد حددنا أصنافها عند “أبي حيان” وجعلنا الرئيسية منها محور الحديث في هذين الفصلين.

الفصل الأول: آليات تحليل الجملة الفعلية في الارتشاف

وضم بدوره تمهيدا وأربعة مباحث رئيسية:

في التمهيد، حددنا مفهوم الجملة الفعلية عند  صاحب “الارتشاف” وعند بعض النحاة الآخرين، حيث أشرنا إلى مكوناتها التركيبية من فعل وفاعل، أو من فعل وفاعل ومفعول به  دارسين خصوصياتها التركيبية /البنيوية.

وفي المبحث الأول تحدثنا عن مقولة الفعل،إذ أبرزنا أهميته داخل النظام اللغوي باعتباره المكون الرئيس والأساس في الجملة، فتتبعنا سماته التركيبية والدلالية والصرفية كما حددها أبو حيان في مصنفه.

المبحث الثاني: تحدثنا فيه عن المكون الثاني وهو الفاعل، وبينا دوره في الإسناد، ومختلف أحكامه وأشكاله التي تدخل تحت مقولته الوظيفية، مع الإشارة إلى أن المعايير التي اعتمدها “أبوحيان” في التعريف الذي قدمه له.

أما المبحث الثالث فتناولنا فيه المفعول الذي لم يسم فاعله و الأسماء التي تحل محله.

وأما المبحث الأخير فخصصناه للحديث عن المكون “المفعول” محددين أنواعه بتفصيل ومبينين دوره الدلالي والتركيبي داخل الجملة.

الفصل الثاني: “الجملة الاسمية في الارتشاف”

ضم بدوره تمهيدا ومبحثين رئيسيين وخاتمة:

ففي التمهيد، وضحنا مفهوم الجملة الإسمية وأصنافها التركيبية، أما المبحث الأول فخصص للحديث عن الجملة المنتظمة من اسمين ، حيث بينا أشكالها التصنيفية، مفصلين الحديث في ركنيها الأساسيين، ونقصد بذلك المبتدأ والخبر،.وأما المبحث الثاني؛ فتناولنا فيه بالدراسة والتحليل الجملة المنسوخة بحرف، فحددنا أنواع النواسخ الحرفية التي تغير طبيعة هذه الجمل مركزين على الأحوال التي يأتي عليها المبتدأ والخبر وأحوالهما التركيبية، منتهين بخلاصة ضمت ما توصلنا إليه في هذا الفصل بخصوص آليات تحليل الجملة عند أبي حيان في الارتشاف خاصة، وعند النحاة العرب عامة.

وفيما يلي سنعرض لأهم أساسيات موضوع هذا البحث، الذي اخترناه من أجل إتمام مشروعنا العلمي والدراسي، والذي نتمنى أن يكون بداية مشجعة لشق الطريق في مجال البحث العلمي والأكاديمي المتخصص.

  • موضوع البحث

تندرج هذه الأطروحة ضمن موضوعات الدرس اللغوي العربي القديم التي  حظيت بالدرس والتحليل من قبل اللغويين العرب القدماء والمحدثون في جميع مستوياته، ونظرا للقيمة التي احتلها هذا الدرس اللغوي في  تاريخ الثقافة العربية الإسلامية في مسيرته الطويلة،  آثرنا الاشتغال على موضوع قديم جديد ، ويتعلق الأمر بدراسة نرصد من خلالها  بعض مظاهر التفكير اللغوي العربي في نموذج من المدارس النحوية؛ وهي المدرسة الأندلسية، ممثلين لها بأحد أعلامها المتأخرين أبو حيان الأندلسي الغرناطي ومقتصرين على أحد أهم متون النحو التي ألفها، فجاء عنوان بحثنا : ”بعض مظاهر التفكير النحوي عند أبي حيان الأندلسي من خلال ارتشاف الضرب من لسان العرب دراسة صرفية- تركيبية.

  • أهمية البحث وأهدافه

يستهدف هذا البحث رصد بعض مظاهر التفكير اللغوي عند “أبي حيان الأندلسي الغرناطي” النحوي الشهير، من خلال إبراز حدود النظرية النحوية واللغوية في كتابه، “ارتشاف الضرب من لسان العرب”، على ضوء ما تقدمه نصوصه من نظرات وأفكار تقربنا من المنهج النحوي لصاحبه.

تأتي أهمية هذا العمل من كونه يهدف إلى الخروج برؤية متكاملة لمعرفة مدى موافقة أبي حيان للنحاة ومخالفته لهم خاصة، إذا علمنا أنه كان من النحويين المتأخرين الذين كان لهم الأثر الكبير فيمن بعدهم، فقد خدم النحو أكثر عمره، فصنف التصنيفات وأقرأ التلاميذ وأفاد منه الخلف والسلف.

ومما يهدف إليه هذا البحث أيضا، هو عرض ما في تراثنا اللغوي من أفكار ومفاهيم لغوية رائدة،مع الوصف والتحليل، خاصة ما يتضمنه كتاب “ارتشاف الضرب من لسان العرب“، وذلك لمواجهتنا لمجموعة من الأسئلة العلمية الدقيقة والموضوعية التي عالجها “أبو حيان” في كتابه، نظراللأهمية التي حظي بها في بناء الدرس اللغوي العام، فهو يمثل مرحلة بارزة ورائدة في موضوعات النحو العربي، فالوقوف على نظريات هذا الدرس اللغوي هو الذي يجعل هذا التراث ذا إسهام متجدد إذ يموج الدرس اللغوي المعاصر بكثير من النظريات التي أصبح أكثر المتخصصين – حسب البعض- عاجزا عن متابعتها بشكل تفصيلي دقيق؛ فليس من المناسب أن يظل تراثنا اللغوي محصورا في تطبيقه على ظواهر العربية فحسب، دون أن يوضع في مقابلة للنظريات اللغوية المتنافسة التي تعالج الظواهر التي يعالجها هذا التراث العظيم.

وبذلك يكتسي هذا البحث أهمية بالغة ، لأنه يرصد مظاهر التفكير اللغوي عند”أبي حيان”والأصول التي اعتمدها من خلال تحليل نصوص في بعض المستويات اللغوية للوقوف على مذهبه في النحو، والمؤثرات التي أثرت في شخصيته النحوية.

  • دواعي اختيار الموضوع

لم يكن اختيارنا لهذا الموضوع اعتباطا، وإنما نتيجة لأسباب، ودوافع متعددة  -اختلفت بين ما هو ذاتي ، ومنها ماهو موضوعي- جعلتنا نوجه الدراسة إلى المادة الصرفية والنحوية عند “أبي حيان الأندلسي” من خلال مصنفه “ارتشاف الضرب من لسان العرب” وفيما يلي أهم هذه الأسباب:

اهتمامنا البالغ بالتراث اللغوي العربي، وما حققه من إنجازات في تاريخ الثقافة الإسلامية عامة، وفي خدمة قضايا لغة الضاد خاصة، من هذا المنطلق حاولنا أن يكون هذا البحث لبنة تضاف إلى الدراسات التي أثار اهتمامها هذا التراث  وتناولت قضايا النحو العربي في مستوياته اللغوية، وصفا وشرحا وتفسيرا، خاصة ما قدمه النحاة العرب القدماء – في معظم المدارس النحوية- من  دراسات حاولوا من خلالها تأصيل وخدمة اللغة العربية؛  وإيمانا منا بقيمة هذا التراث اللغوي العربي القديم الذي لا يخفى على المتخصصين ما قدمه في تاريخ الثقافة الإسلامية في مسيرته الطويلة، آثرنا الاشتغال على هذا الموضوع لما يكتسيه من أهمية في هذا المجال، فحاولنا دراسة وتحليل بعض قضايا النحو العربي في بعض مستوياته اللغوية من أجل الخروج برؤية تصورية حول أسس بناء التفكير النحوي عند بعض النحاة العرب القدماء.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، وبعد استشارة أستاذنا المرحوم “عبد الله غزلان“، حول رغبتنا في الخوض في هذا النوع من الدراسات، تم توجيهنا إلى نموذج من نماذج المدارس النحوية التي لم يحظ علماؤها بالقدر الكافي من التعريف ومن الدراسة، وهو نموذج المدرسة الأندلسية، وبناء على هذا وقع اختيارنا على أحد أعلامها المتأخرين، الذي امتزجت ثقافته بكل ما هو مشرقي و ما هو مغربي وهو “أبو حيان الأندلسي الغرناطي النفزي المصمودي”، الذي يعد من الشخصيات التي كان لها دور كبير في خدمة النحو، فهو واحد ممن ألف وشرح واختصر، فقد ألف كتابه “البحر المحيط في تفسيرالقرآن الكريم، وملأه بمسائل وقضايا في جميع مستويات اللغة من صوت وصرف وتركيب ودلالة، وشرح كتاب التسهيل “لابن مالك” وسماه “التذييل والتكميل في شرح التسهيل” واختصر هذا الشرح بكتاب سماه” ارتشاف الضرب من لسان العرب“.

  • يعد هذا المصنف بحق موسوعة نحوية جمع فيها أبو حيان منابع النحو وروافده، وذلك حتى عصره، ولم يقدم لنا هذا الكتاب إلا بعد أن اطلع على آراء النحاة المتقدمين والمتأخرين فأفاد منها فجاء كتابه منطويا على زبدة آرائه النحوية واللغوية،
  • سلك أبو حيان منهجا فريدا بين النحاة في تأليف كتابه هذا، الذي يمثل امتزاج ثقافة المغرب بثقافة المشرق.
  • غزارة المادة العلمية واستسقاء الأوجه الواردة في المسألة الواحدة وكثرة الترجيحات.
  • هذا الكتاب يوقفنا على ما وصل إليه العقل العربي من تطور لدراسة اللغة والتأليف فيها.

هذا إلى جانب مكانة الكتاب العظيمة بين كتب النحو، قال “السيوطي” متحدثا عن كتاب “التذييل والتكميل، “وارتشاف الضرب من لسان العرب” “ولم يؤلف في العربية أعظم من هذين الكتابين ولا أجمع ولا أحصى للخلاف والأحوال، وعليهما اعتمدت في جمع الجوامع.”[4]

  • الأدوات التي يتطلبها البحث

كتب النحو المعتبرة قديمها وكتب اللغة، وكتب التفسير والقراءات، وغيرها من الكتب التي يتطلبها البحث.

  • إشكالية البحث

تنطلق إشكالية هذا البحث في مواجهتنا لمجموعة من الأسئلة العلمية الدقيقة المتعلقة بمفهوم التفكير النحوي ومظاهره عند اللغوين العرب القدماء، عامة وعند أحد أعلام هذا النحو خاصة، وهو “أبو حيان الأندلسي الغرناطي”، فهذا الأخير من النحاة المغاربة المتأخرين (745ه) كان مقرئا ومفسرا ولغويا ألف العديد من الكتب سواء في التفسير أو في القراءات، أو في اللغات كالفارسية ، والتركية، لكن ورغم هذه المكانة فلم تنل مؤلفاته نصيبها من الدراسة والتحليل، مثل مؤلفات باقي النحويين المتقدمين كسيبويه وابن جني…

ومن أهم مؤلفاته الشاملة، هذا المصنف الذي اخترناه مجالا لإبراز حدود النظرية الصرفية والتركيبية لدى هذا العالم الجليل، ففي “ارتشاف الضرب” مادة علمية ثرية لم تر النور وتحتاج لجهد كبير لاستخراجها ودراستها حتى نكتشف مميزات التفكير النحوي وأصوله عند “أبي حيان”، وتعود ضآلة الدراسات حول هذا الكتاب – في نظرنا- إلى تأخر تحقيقه، فلولا هذا التأخر لشاع مثل شيوع كتاب  معاصره ابن مالك.

ولمعالجة هذه الإشكالية حاولنا في هذا البحث الإجابة عن أسئلة جوهرية نذكر على سبيل المثال:

  • ما المقصود بالتفكير النحوي في الدرس اللغوي العربي؟
  • ما هي الأسس المنهجية والأصول المعرفية التي أثرت في بناء الشخصية النحوية لأبي حيان الأندلسي؟
  • ما مدى حضور الفكر البصري والكوفي في مصنفه” ارتشاف الضرب من لسان العرب.؟
  • كيف يتعامل مع الأسس النحوية التي صاغ منها قواعده، القياس والسماع والعلة.؟
  • هل “أبو حيان” كان مقلدا ومرددا لما سبقه من النحاة، سواء على مستوى الموضوعات النحوية و ترتيبها أو في كيفية تعامله مع الأصول النحوية؟
  • هل كتاب “ارتشاف الضرب من لسان العرب” يشخص فكر”أبي حيان الأندلسي” أم هو مظهر من مظاهر تفكيره النحوي؟ ما موقفه من نظرية العامل، هل هو نفس موقفه من نظرية العلة والقياس؟
  • هل المعلومات الصرافية عنده مستمدة من الصرفيين السابقين أم أنها من صناعة فكره؟
  • كيف يتعامل مع الجملة؟ و ما طبيعة التحليل النحوي عنده من خلال هذا الكتاب؛ هل يخضع الجملة في تحليله إلى مسائل عقلانية أم إلى مسائل متعلقة بالسياق والتداول أم إلى مسائل أخرى. هذا إلى جانب أسئلة أخرى ستثار في حينها.

 

  • أهم الأعمال العلمية السابقة

من خلال سؤالنا عن الدراسات السابقة التي كتبت حول هذا الموضوع على الأقل في الجامعات ورسائل الدكتوراه توصلت إلى وجود بعض الدراسات حول أبي حيان وأخرى وهي ضئيلة حول هذا الكتاب وهي كالتالي:

– التركيب لأبي حيان من خلال “ارتشاف الضرب من لسان العرب” ( الطبعة المحققة من  طرف “أحمد النماس”) لفؤاد بوعلي وإشراف “رشيد بلحبيب” كلية الآداب وجدة 1996 .رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة.

– الاختيارات النحوية لأبي حيان في “ارتشاف الضرب من لسان العرب” رسالة وهي مطبوعة، دكتوراه من إعداد “أيوب مرجيس عطية” القيسي وإشراف “علي جمعة عثمان”، دار الإيمان للطبع والنشر والتوزيع 2004 الاسكندرية.

– مقال بعنوان “أبو حيان ومنهجه في كتابه ارتشاف الضرب من لسان العرب” من إنجاز “مزيد اسماعيل” مجلة التراث العربي.

– الخلاف النحوي بين “ابن مالك و”أبي حيان الأندلسي”؛رسالة لنيل الدراسات العليا، إعداد الطالب “محمد شفيق”وإشراف الدكتور “أحمد الإدرسي”،جامعة محمد الخامس كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط”شعبة العربية وآدابها تخصص اللسانيات، 1998 -1997.

فالدراسة الأولى تناولت بالوصف والتحليل  قضايا في مستوى لغوي واحد؛هو المستوى التركيبي في كتاب “ارتشاف الضرب من لسان العرب” الطبعة المحققة من طرف “الدكتور مصطفى أحمد النماس “وهي الطبعة الأولى التي قيل عنها أنها مليئة بالتصحيف والتحريف والرسالة الثانية -وهي مطبوعة – (الاختيارات النحوية في كتاب ارتشاف الضرب من لسان العرب) اعتمدت على النسخة نفسها التي اعتمدناها في بحثنا وهي من تحقيق الدكتور “رجب عثمان”، فمن خلال اطلاعنا على الدراستين معا لاحظنا أن القاسم المشترك بينهما هو التقارب الحاصل في طريقة تناول قضايا الكتاب، لا شكلا ولا مضمونا؛ فالرسالة الأولى؛ هدفت إبراز جوانب من النظرية التركيبية العربية من خلال تجلياتها داخل مصنف “الارتشاف”، حيث إنها ظلت وفية ولن تخل بإطاره المعرفي والفكري، واكتفت بدراسة مستوى واحد وهو المستوى التركيبي كما أشرنا إلى ذلك سابقا.

ونفس المقاربة نجدها في الرسالة الثانية المعنونة “بالاختيارات النحوية لأبي حيان في الارتشاف” حيث قام الباحث بإحصاء كل المسائل النحوية التي تناولها “أبو حيان” في كتابه وعمل على دراسة وتحليل معظم اختياراته(في المستوى التركيبي)؛ إلا أن الملاحظ على الدراستين معا هو إغفالها لباقي المستويات اللغوية الأخرى كالمستوى التصريفي الذي تكلم عليه “أبو حيان” في بداية الكتاب مقدما الصرف على النحو خلاف لما درج عليه النحاة من تقديم النحو على الصرف. يقول ابن جني:” إنك لا تجد كتابا في النحو إلا والتصريف في آخره”[5].إلى جانب التداخل الحاصل في منهجية تناول القضايا رغم كون هذا الكتاب( الارتشاف) أول محاولة لهيكلة قضايا النحو، إلى مستوياته الأربعة صواتة، وصرف، وتركيب، ودلالة، وفق منهج تـأليفي ينطلق من أبسط وحدات اللغة الحروف إلى أكبرها الجملة، مما يجعله يقارب التصنيف الحديث لمستويات اللغة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في مقدمة كتابه.

ولا يعني هذا الموقف النقدي أن هذه الدراسة تدعي الشمولية أو تنتقص من الدراسات السابقة  لكن من أهم ما هدفت إليه هو رصد أسس التفكير اللغوي من خلال ما جاء في مصنف “أبي حيان” موضوع الدراسة” هذا من جهة، ومن جهة أخرى حاولت الكشف عن هذه الأسس انطلاقا من دراسة قضايا في بعض المستويات اللغوية صواتة،وصرفا، وتركيبا نظرا للأهمية التي تحتلها دراسة الأصوات والكلمات المفردة لأنهما ليست سوى خطوتين أساسيتين لدراسة التركيب، لأنه عبارة عن انتظام الأصوات والمفردات، ولكن هذا الانتظام يخضع لقواعد ورتب تفرض أسبقية عنصر على آخر، وفي الوقت نفسه تطرأ على أواخر الكلمات تبدلات حسب الوظيفة أو الموقع فتكتسب من خلالها معناها النحوي والدلالي .

 

 

  • منهج البحث

اتبعنا في هذا البحث المتواضع منهجا علميا دقيقا، قائما على جمع المادة المدروسة من النصوص المطروحة في “الارتشاف” أولا، ثم تحليلها لاستنباط الأصول التي اعتمدها في تحليل القضايا سواء تلك المتعلقة بالمستوى التصريفي، أو التركيبي من خلال ربطها بالمنهج المعرفي واللغوي الذي يحدد منهج “أبي حيان” في كتابه، وبمقارنتها أحيانا بآراء النحاة الآخرين سواء المتقدمين أو المعاصرين له.

وبناءا على ذلك فقد عالجنا هذا الموضوع من خلال منهج وصفي تحليلي تارة، وتفسيري مقارن تارة أخرى؛فالمنهج الوصفي عملنا من خلاله على تقديم الظواهر الصرفية والتركيبية التي تناولها “أبو حيان” مقتصرين على وصفها كما تناولتها نصوص “الارتشاف”. وقد اقتضت طبيعة البحث توظيف المنهج المقارن الذي حاولنا من خلاله تحديد مواقف وآراء “أبي حيان” بمقارنتها ببعض آراء النحاة سواء أولائك الذين سبقوه،أو اللذين عاصروه.

وفي نظرنا فالجمع بين هذه المناهج الثلاثة قد مكننا من تـقديم صورة واضحة عن الأسس المنهجية،والمعرفية التي شخصت فكر “أبي حيان” هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد ساعدنا على تحديد تصوراته ومنهجه اللغوي في مختلف القضايا المطروحة في “الارتشاف”، مع نقل آراء وأقوال النحاة في المسألة الواحدة لبيان رأي “أبي حيان” وموقفه مدعمين ذلك بحجح.

  • صعوبات البحث

تعددت الصعوبات التي واجهتنا أثناء إنجازنا لهذا البحث؛ وفي مقدمتها:

– صعوبة توافر الكتاب قيد الدراسة في أشهر المكتبات، فلم نحصل عليه إلا بعد مرور أكثر من سنة من تاريخ تسجيل الأطروحة، اللهم نسخة محققة من طرف “مصطفى أحمد النماس” ( وهي في ثلاثة أجزء) اطلعت عليها في مكتبة كلية الآداب سايس، وهي النسخة التي قيل عنها أنها مليئة بالتصحيف والتحريفلنحصل بصعوبة، فيما بعد، -ومن بلد آخر- على النسخة الجديدة المحققة من طرف الدكتور “رجب عثمان محمد” ومراجعة “رمضان عبد التواب” وهي في خمسة أجزاء. وهي التي اعتمدناها في معظم ثنايا البحث.

من الصعوبات أيضا طول الكتاب وغزارة المادة التي يحتويها مما تطلب منا جهدا من أجل التنقيب، والبحث عن الظواهرالتي تستحق الدراسة والتحليل؛ ضف إلى ذلك الاستعانة ببعض الكتب الأخرى ل”أبي حيان”إلى جانب المصادر المتعددة التي استقى منها مادته.

قلة الدراسات التي وجهت اهتمامها إلى هذه الشخصية وأعمالها النحوية، رغم ما تميزت به في ثقافتها التي امتزجت في بكل ما هو مشرقي ومغربي، إلى جانب ضآلة الأبحاث حول الكتاب “ارتشاف الضرب من لسان العرب”.ويرجع ذلك كما سبقت الإشارة إلى في نظرنا إلى تأخر تحقيق الكتاب، لأنه، لولا هذا التأخير، في نظر البعض، لشاع بين الدارسين مثل شيوع كتاب “ابن مالك”.

  • نتائج البحث

وقد مكنتنا هذه الدراسة من التوصل إلى بعض  الخلاصات و النتائج أهمها:

Pمن السمات البارزة في منهج “أبي حيان الأندلسي” في كتابه “ارتشاف الضرب من لسان العرب”، هو ترتيب وتبويبها، حيث أحاط إحاطة تامة بقواعدها وأحكامها، يظهر في دقة العرض، موضوعاته وسهولة الترتيب، فهو يحصر موضوعات الباب الواحد، ويجمع بين المتجانس منها، بحيث يبدو ما تضمنته هذه الأبواب من معلومات وحقائق قريبة من الدارسين، حيث بدأ بدراسة الحرف العربي من حيث عدد الحروف، ومخارجها وصفاتها حتى استواء الحروف كلمة ثم جملة، وقد انفرد بهذا الترتيب الذي يتفق مع وجهة النظر اللغوية الحديثة ومنهجها.

Pمما ميز منهجه كذلك اعتماده على الأسلوب الافتراضي التعليمي، فلقد ابتعد عن التكرار في تناول الموضوعات، ويؤجل القول في بعض المسائل إلى بابها المقرر في النحو.

اعتمد “أبو حيان” على القياس غير أنه قيده بالحالات الآتية:يقيس على ما ورد ولا يقيس على ما كان قليلا أو ناذرا أو شاذا.

Pتحدث “أبو حيان” عن أبنية الأسماء والأفعال، وقد تفرد في هذا الميدان حيث جمع ما يزيد على ألف بناء، فلم يترك شاردة ولا واردة إلا وتحدث عنها.

Pلم يقتصر جهده على الجمع والنقل عن القدماء في الأبنية فقط، بل تحدث بإفاضة عن الزائد والأصلي في الكلمة الواحدة مع استيعاب كبير لمعظم العلماء الذين سبقوه-خلال خمسة قرون من الزمن- في القضية المناقشة والتحليل لكلامهم والترجيح لآرائهم ثم عرض موقفه،.ومن بين هؤلاء نجد في مقدمتهم “سيبويه” و”الأخفش” و”المبرد” و”ابن الفارسي” و”ابن جني”، و”ابن الدهان”، وابن عصفور،إلى جانب من عاصروه ك”ابن مالك” وشيوخه، ف”أبو حيان” له فكره المتميز مما جعله يجتهد في كثير من القضايا الصرفية والنحوية.

Pلقد تبين لنا من خلال صفحات “الارتشاف” أن “أبا حيان” قد تخلى عن التعليلات السقيمة، أو المفترضة وعاب على النحويين انشغالهم بها.

Pأخذ “أبو حيان” بالتأويل، ولكن ليس على إطلاقه، بل أخذ به في بعض الحالات: ألا يكون مخالفا للسماع أو مصادما للنص، ألا يكون بعيدا عن وصف الأسلوب، الآخذ بأوضح التأويلات إن تعددت، ألا يؤول إذا تبث أن ذلك لغة، غير أنه خالفه في مسألة واحدة وهي نصب الجزأين ب(ليت) فذهب إلى تأويله.

Pوقف “أبو حيان” من الخلاف النحوي الذي لا يبنى عليه حكم لفظي أو معنى موقفا إيحائيا، لأنه يرى أنه لا فائدة فيه، ومع هذا فقد خاض في بعض تلك الخلافات، واختار مذهبا معينا.

Pيظهر مما سبق أن أبي حيان تأثر بابن مضاء في إلغاء العامل وعدم إطلاق القياس والتأويل، واطراح التعليلات السقيمة، ولكن هذا التأثر لم يكن قويا، فلم يبتعد مثلا عن نظرية العامل في جميع أبواب النحو، وذلك راجع بالأساس إلى رغبته تأسيس قراءة جديدة للتراث النحوي السابق،مستمدة من أسس الثورة الظاهرية التي قادها ابن حزم في ميدان الفقه، وابن مضاء في ميدان النحو مع حفاظه على مجمل الأصول التي تعد أسس اللغة النحوية الواصفة كالعامل والقياس.

Pمن منهج أبي حيان في الكتاب هو الاستيعاب التام لآراء ومذاهب النحاة في قضية واحدة أوجزئية من الجزئيات، مما يدل على الإحاطة والشمول التي تميز بها هذا العالم الفذ، ويتضح ذلك أكثر في في في عرضه لخلافات النحاة في المسائل الجزئية والعلل والافتراضات والجدل حول أشياء لا تفيد، ويرد أبو حيان هذا الجدل بأنه لا يجدي كبير فائدة ما دام لايبني عليه حكم فهو ضد الخلاف الذي ليس وراءه فائدة.

Pجاءت بعض آراء أبي حيان مخالفة لما أتبتثه الدراسات اللغوية الحديثة كما في مسألة الحركة بعد الحرف، أما بعض سمات منهجه فيكاد يقترب من دعوة الدراسات اللغوية الحديثة إلم يكن موافقا تماما، كالابتعاد عن التعليل، والاعتماد على القياس والتأويل المشروطين.

Pتأكد لنا من خلال هذه الدراسة نزعة أبي حيان البصرية من خلال القضايا التي درست سواء في المستوى الصوتي أو التركيبي، فلقد كثرت المسائل والقضايا التي رجح فيها آراء البصريين، وفي مقدمتهم “سيبويه” في مقابل اختياره لبعض الآراء المتفرقة للنحاة الكوفيين.

Pكان أبو حيان ينقد الآراء المخالفة نقدا علميا، غير أن نقده أحيانا يتسم بنوع من الحدة التي لا ينبغي أن تصدر من عالم جليل كأبي حيان كوصفهم بالجهل، والوهم، والجسارة، ولا يتوانى في نقد مخالفيه، كقوله “وجهل أبو علي”، “وهم شيخنا الأبدي”،و”أخطأ الزجاج”،”وهذا يدل على الجسارة وعدم حفظ كتاب الله” و”وهوقول سخيف لا يحس أن يقوله من عند علم”…إلخ.

Pمن أهم ما طالعتنا به القضايا المتناولة في الارتشاف، خاصة في المستوى التركيبي أن “أبا حيان” في تصوره لحدود الجملة العربية لم يختلف عن فهم غالبية النحاة، فمن خلال نماذج “سيبويه” و”المبرد” و”ابن جني” و”الزمخشري” و”ابن الحاجب” خلصنا إلى أن الجملة والكلام يطلقان في غالبية الكتابات النحوية، على نفس القطعة المركبة من الكلمات، والتي تحمل معنا تاما يحسن السكوت عليه مما يدل على شذوذ رأي “ابن هشام” الذي لا يفيدها بتمام الفائدة، فقد استحضر “أبو حيان” في تحليله التركيبي معياريين اثنيين: معيار الشكل ممثلا في تراكيب الكلمات، ومعيار الدلالة ممثلا في علاقة الإسناد بينها، فساير بذلك التصور السائد عند النحاة العرب، في حين خالف مجموعة من التعاريف الحديثة التي تستحضر إلى جانب المعيارين السابقين معيارا تطريزيا يتمثل في التنغيم المتعلق بهبوط المنحنى اللحني في نهاية الجملة.

Pاستطاع “أبو حيان” أن يقدم لنا تلك المسائل النحوية، والحقائق العلمية في كتابه، بأسلوب يتسم في أغلب أحواله بالبساطة والدقة، فكان يعتمد على الموازنة الدقيقة بين آراء النحاة ثم يختارأكثرها وأحدها نقلا ورواية ، أي أنه يأخذ بالنقل والرواية ثم بالاستقراء والتحليل.

Pكان يتحرى صحة النقل معتمدا في ذلك على صحة الرواية، ونجد في “الارتشاف” كثيرا من العبارات والتي تدل على ذلك مثل: و”يروى عن بعض العرب”، و”قالت العرب”.

بعد هذا العرض السريع لأهم نتائج البحث يمكن القول بأن كتاب” ارتشاف الضرب من لسان العرب”من أهم كتب أبي حيان الأندلسي النحوية وذلك لعدة أمور نذكر على سبيل المثال:

  • أنه نفض عليه بقية كتبه واستدرك ما أغفله من فوائد، وزاد عليه فصولا استدركها على النحاة مثل باب التعجب، وباب الإبدال وهو من الضرورات الشعرية، وفصل في النواذر، إلى جانب باب الحقيقة والمجاز.
  • هذا الكتاب يكشف لنا عن نضج الفكر النحوي عند أبي حيان الأندلسي وقد اتضح لنا ذلك من خلال مختلف التحليلات والنتائج المتوصل إليها، كابتعاده عن التعليلات السقيمة، ورؤية جديدة عن الخلافات التي لا جدوى منها، ثم اعتماده على منهج جديد في ترتيب القضايا المتناولة في المصنف انطلق فيه من أبسط الوحدات اللغوية( الحروف) وصولا إلى أكبرها (الجملة) حيث جعل التركيب حدا فاصلا بين مستويين:مستوى ما قبل التركيب يتضمن التصريف بقسميه، منه مايتعلق بماهو صواتي، ومنه مايتعلق بما هو صرفي، ومستوى التركيب الذي يشتمل على الأحكام الإعرابية وغير الإعرابية، مما يؤكد لنا سيره على الخطة والمنهج الذي سطرهما في بداية كتابه.

وختاما فهذه محاولة قمنا بها لرصد جوانب من الفكر اللغوي العربي عامة وعند “أبي حيان” خاصة، ولسنا ندعي أنها أحاطت بكل جوانب النظرية اللغوية العربية في جميع مستوياتها، لكننا حاولنا فيها قدر الإمكان أن نكشف عن بعض الأسس الفكرية التي ساهمت في بناءالشخصية النحوية لدى “أبي حيان الأندلسي”، وذلك من خلال أهم متون النحو العربي”ارتشاف الضرب من لسان العرب”.وقد استندنا في هذا البحث على ضرورة فهم هذه الجهود بوصفها جزءا من تراكم نحوي امتد لفترات طويلة، وساهم فيها عدد من النحاة مشارقة ومغاربة، ومن جهة أخرى، النظر إلى هذه الجهود بوصفها جهودا خاصة ومستقلة، وأن تجليات التفكير النحوي لديه يفسره اختلاف الأسئلة النظرية التي صاغها “أبو حيان” وباقي النحويين المتأخريين وجاءت إسهاماتهم لتجيب عنها.

فهذا ما استطعنا التوصل إليه، ومما لا شك فيه أن تراثنا العربي الإسلامي عموما، وما خلفه العالم الجليل “أبي حيان الأندلسي  الغرناطي “خصوصا ،غني غنى – ربما لا مثيل له- يحتاج إلى قراءة أولى ،وثانية، وثالثة.، ليتعانق وما أنتجه العلم الحديث في هذا الباب.أملنا أن نكون قد وفقنا في شيء مما ذهبنا إليه ومن الله العون والسداد.

 

[1] ارتشاف الضرب من لسان العرب ، مقدمة المحقق ص 5

[2]– ارتشاف الضرب ص 4.

[3]– ينظر عبد القاهر الجرجاني”دلائل الإعجاز”، ص 415، قراءة وتعليق وشرح الدكتور ياسين الأيوبي؛ طبعة 2007-1428، المطبعة العصرية صيدا/ بيروت لبنان.

[4]– بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة 1/ 281؛ تحقيق محمد أبو الفضل  ابراهيم، المكتية العصرية.

[5]– ابن جني”المنصف 1/4.

عن Azziz_Bakouch

عزيز باكوش
2. مكلف بالإعلام والاتصال بالأكاديمية الجهوية للتربيةوالتكوين بجهة فاس بولمان
3. كاتب مهتم بشؤون الإعلام في مختلف تجلياته
4. مراسل معتمد لجريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية
5. مدير موقع فاس اليوم الالكتروني fes-today. com

شاهد أيضاً

السينما التربوية حاضرة في اليوم الوطني للسجين بالسجن المحلي بصفرو

           السينما التربوية حاضرة في اليوم الوطني للسجين بالسجن المحلي بصفرو عزيز باكوش **   شهد …