الرئيسية - أخبار - التواصل صلب سياسة تدبير الموارد البشرية ومدخل للإرتقاء بالمؤسسة

التواصل صلب سياسة تدبير الموارد البشرية ومدخل للإرتقاء بالمؤسسة

الدكتورة : وصال لمغاري

مقدمـــة:

لقد كان التواصل دائما مطلبا إنسانيا ضروريا لنسج وتجسيد مختلف المستويات العلائقية بين الأفراد والجماعات والمجتمعات والمؤسسات ، تطور عبر التاريخ بتطور وسائل الاتصال إذ استعمل الإنسان عبر التاريخ أنساق تواصلته مختلفة إشارات ورسوما ولغة…. .

إلا أنه من الصعوبة بمكان الإلمام الشامل بتاريخ مفهوم التواصل والوقوف عند  الفترة المحددة التي أصبح معها التواصل يكتسي طابعه الواعي العلمي فقد اعتمد كآلية من آليات التبليغ والتلقين. وتعتبر محاولات أفلاطون نموذجا لذلك عندما استعمل هذا الفيلسوف الحوار أسلوبا في الكتابة ليعرف بأفكاره على لسان أستاذه سقراط بل قبل ذلك ظهر نوع من التواصل المتولوجي بين سحرة الأرض وملائكة السماء كما تناولت الكتب السماوية وعلى رأسها القرآن التواصل كمدخل لنسج العلاقات الإنسانية وتوطيد الوشائج بين الناس على اختلافهم وتنوعهم. إلا أن الملاحظ أن المفهوم ظل لمدة طويلة مفهوما فضفاضا وهولاميا يلتقي ويتقاطع مع مفاهيم أخرى، كالوصل والاتصال والتعارف والحوار وغيرها. فلن يتحدد علميا إلا لاحقا ولن تثبت أهميته وأدواته وإجرائيته إلا مع التطور الذي عرفته المجتمعات الإنسانية خصوصا تلك السابقة إلى الثورة الصناعية. فمع حلول القرن 18 أصبح ” التواصل” الذي كان يعني ” تقاسم” Partager ذا مدلول ثان أكثر دقة وهو تقاسم معلومة Partager une information إلى أن أصبح الفعل ” تواصل” يعني تحديدا: توصيل المعلومة. ومع بداية القرن العشرين أصبح مصطلح التواصل حاضرا في المعاجم العلمية، بل أصبحنا نتكلم عن أدوات التواصل التي حملتها مختلف مظاهر التطور المترتبة عن الثورات الصناعية والعلمية والتكنولوجيا والمعلوماتية من صحافة وهاتف وتلفاز وسينما وصولا إلى الأشكال الأكثر تطورا في الأنظمة المعلوماتية الجديدة.

وقبل أن نربط تحديدا بين التواصل والمؤسسة الإنتاجية او الخدماتية المعاصرة وبين سبل الارتقاء بهذه المؤسسة على مستوى المردودية من جهة وعلى مستوى تطوير مناخ العمل من جهة ثانية نذكر بالأهمية التي يحظى بها التواصل في مختلف المجالات حيث لا تستقيم الحياة الاجتماعية ولا البنية الأسرية إلا إذا عم التواصل بين أفرادها. ولقد أثبتت الدراسات السيكولوجية اليوم أهمية التواصل بين الأفراد، بل أصبح أداة علاجية ناجحة من خلال القدرة على التبليغ والإنصات حيث يبرهن على أهميته من خلال التعرف أولا على مختلف العوائق لإزالتها وتجاوزها ثانيا، تلك العوائق المثبطة لأي تصور بالرضى ليفتح المجال بعد ذلك نحو التحفيز على حياة هادئة متوازنة تسمح بالعمل والإبداع.

وإذا نظرنا إلى الشغل والإنتاج في حياة الأفراد والجماعات، سندرك أن الأمر يتعلق بمظاهر أخرى أساسية للتواصل المحركة للحياة والضامنة لها ، فمن خلال الشغل وعبر طرق تحويل المواد الأولية، والبحث عن أمكنة واتجاهات نقلها وتسويقها، يتضح أن الأمر لا يتعلق بفعل مادي إنتاجي صرف، بل إن الأمر يتعلق بأشكال مختلفة للتواصل تتجاوز ذلك المنتوج المادي نفسه. فالإنسان لا يتبادل فقط المنتوجات أو الوسائل التقنية المسخرة لذلك، بل يتبادل كذلك الأفكار والعادات وينفتح على مختلف الثقافات كما يتبادل المواقف والأحاسيس بالعواطف، بل يمكن اعتبار مجموع هذه العمليات أشكالا مختلفة للتواصل ذات أهمية بالغة باعتبارها عاملا أساسيا للحفاظ على النوع البشري وتطوره واستمراريته. إنه هدف أرقى من التقنية  والحركات[1] .

إن التواصل  يقوم دائما على امتزاج مجموعة من العوامل  التي تثير مختلف الحواس والمعارف فالذكاء والذاكرة. إنه امتزاج يتوقف على درجة تقدم معارف مجموعة بشرية ما، كما يتوقف على نوعية أدواته التقنية التي يعتمدها ويستعملها ليجعل هذه الذاكرة أكثر نموا وتطورا. ويبقى التواصل إذن أهم متغير حاسم في التحولات الكيفية عبر التاريخ، سواء بين الرجال والنساء أو بين الجيل والجيل او بين المجموعات البشرية المتزامنة و المتوالية بصفة عامة .

وتجدر الإشارة إلى أن التواصل في مختلف المجالات يتطلب توفر درجة من درجات التحفيز للإقبال عليه. وهذا التحفيز على نسبية درجاته يخترق الكون الحي بكامله، إذ تلتقي عنده كل الكائنات الحية، مع فارق أساسي طبعا عند الإنسان هو وعيه بالحافز للتواصل وبما سيترتب عنه من نتائج متعلقة بالمجد والشهرة والامتيازات التي يمنحها عالم الإعلام والتواصل. هذا العالم الذي بدأ يؤسس لفظ جديد من التواصل المرشح لإحداث تغيرات في النظام السوسيوقتصادي وعلى مستويات مختلفة. ويؤكد ذلك ما نلاحظه اليوم من توجهات مهمة نحو إحداث تجمعات سواء بين الدول (أسواق مشتركة وأحلاف …) أو بين الشركات ( الشركات المتعددة الجنسيات). فما يحدث اليوم في هذا المجال هو من نتاج التغيرات في وسائل التواصل سواء على المستوى الاقتصادي التجاري المادي أو على المستوى الثقافي  التربوي الرمزي .

ويتجلى من خلال الوقوف على هذه التداعيات السوسيوقتصادية والسياسية للمجموعات communautés  أنها وثيقة الصلة بإنجازات التنظيم وتحسين المشاراكات في مختلف مراحل التخطيط، و اتخاذ القرارات وتنفيذها، مما يسمح بالقول بأن الأمر يتعلق بكل راق وغير مباشر للتواصل. ولابد أن نذكر في هذا السياق أن التواصل كوظيفة أساسية تؤثر على السلوكات والتصرفات يفترض تحويل Transfert وإبلاغ المعلومة بين قطبين على الأقل. لذا فإن الجودة والقابلية للتواصل تتوقف على طبيعة المعلومة ويتجلى من خلال إستراتيجية التواصل الأكثر تداولا من أجل التأثير على السلوكات، إن هناك ثلاث مراحل هامة في هذه العملية : مرحلة الانجذاب او الجذب Séduction العامل المهيئ لانطلاق الفعل التواصلي، ومرحلة زعزعة الاستقرار déstabilisation، وتتجلى في تهشيش وتهديم الفرد، ثم المرحلة الثالثة وهي مرحلة البديل المقدم والإقناع وهي تعكس قدرة التأثير من خلال الفعل التواصلي وإعادة بناء  الفرد المهشم.

  • السياق الأساسي للتواصل:

لضمان نجاعة الفعل التواصلي، يتطلب الأمر سياقا سليما يصعب تحديده، وذلك تحسبا لكل ما قد يشوش على هذا الفعل. فالتواصل عادة ليس حوارا، بل يسير في اتجاه واحد وأي خطأ أو لبس فيه يمكن أن تنتج عنه عواقب وخيمة. وعندما يتعلق الأمر بالتنظيم أو المؤسسة الإنتاجية أو الخدماتية تكون النتائج اخطر و الخسارة اكبر على المستوى الاستراتيجي والاقتصادي.  ولقد انتبه الإنسان وبشكل مبكر إلى أهمية التواصل وضرورة تطوير أدواته. فبعد أن كان شفهيا مباشرا ( كما هو الأمر في الأساطير والقصص)، انتقل إلى المكتوب Écrit، وانتقل بعد ذلك إلى الأساليب الأكثر تطورا كالهاتف  والحاسوب مثلا. ولقد أكد الدارسون في هذا المجال على أهمية هذا التنوع والتطور في وسائل التواصل من حيث أثرها على تقدم الأفراد والمؤسسات والمجتمعات بصفة عامة، انعكست على الارتقاء بطرق تبليغ المعلومة و الثقافة بصفة عامة[2].

لفهم تحليل موقف تواصلي ما بشكل ملائم لابد من وضع منهجية تأخذ بعين الاعتبار خصوصية هذا الموقف، وأهدافه، وصرامته، وتحديد دور الفاعلين فيه والوقوف عند الكيفية التي يتم بها استيعاب الرسالة المستقبلة أو المرسلة، على اعتبار أن عملية التواصل تقدم على سياق أساسي واحد، وان الفعل التواصلي – سواء بين فردين أو مجموعة من الأفراد- ينقل ويترجم فعلا أو حدثا أو مفهوما أو عاطفة عبر قناة ملائمة للتبليغ، على الرغم – وكما سبقت الإشارة- أن هذا الفعل الارسالي لا يفترض دائما مجيئا رسالته من الطرف المستقبل أي من الطرف الآخر باعتبار هذا الفعل ذي اتجاه واحد وليس حواريا، يتطلب وصول الرسالة إلى المرسل إليه وفهمه واستيعابه لها، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا السياق لا يكتمل إلا عند ضرورة توفر الشرطين الأساسيين لوضعية التواصل المفترض، وهما الإشارة والدافع، إذ لابد أن يكون كل من المرسل والمستقبل ممتلكين لما يحفزهما على هذا التواصل. حيث يفترض توفر الاستباق والتخطيط لمدى جدوى ونفعية الفعل التواصلي.

ومعلوم أنه من المفيد جدا أن تستحضر الارساليات الأبعاد الاجتماعية والثقافية والعقائدية، وكدا الفلسفية الوجدانية باعتبارها مرجعيات ذات اهمية كبيرة وغير قابلة للعزل والابعاد خلال العملية التواصلية. بل يمكن -ارتقاء بالسياق الداخلي – توظيف هذه الأبعاد في تمرير المضامين وتبيلغ الرسالة حتى يكون التواصل جيدا. وكما سنرى لاحقا فإن المقاربات التفاعلية – تسند إلى هذا العامل أهمية قصوى، لأنه عامل يغدي التحفيز لدى الأفراد والمجموعات، ويعمل على تجديد إثارته. إذ تبين أن عوامل من خارج التواصل (كتلك العوامل المذكورة سلفا)  تؤثر على كيف التواصل وجودته وهو ما يطلق عليه عادة بالمتا تواصل Méta –communication .

ولابد من التذكير بأن نجاعة التواصل بين الأفراد وداخل كل المؤسسات وخاصة منها التنظيمات ذات الطابع الإنتاجي والخدماتي، يتطلب توفر شروط عامة لابد ان تؤخذ بعين الاعتبار حفاظا على فعالية وجودة السياق التواصلي. إنها شروط ضرورية لمختلف أركان العملية التواصلية، إذ يتعين أن تتميز الرسالة أو المرجع بالدقة والوضوح، تغيب فيها احتمالية التأويل والأساليب البلاغية التي تحمل الطرف الآخر عناء الفهم وتكبده مجهود البحث عن المعنى وتثبيته، كما يفضل أن تكون الرسالة قصيرة يتم التقاطها رأسا ودفعة واحدة من طرف المتلقي لايجد عناء في ربط بدايتها بنهايتها، حتى لايفوته استيعاب جزء منها أو حتى لا تتطلب وقتا لا يسمح به الزمن الخاص للفرد او الزمن الانتاجي للمؤسسة. كما يساهم صفاء القناة التواصلية في جودة التبليغ والتلقي. فعند حضور عوامل النزاع أو عند التركيز على عوامل التراتبية المعبرة عن التفاوتات في المنصب، ودرجات المسؤولية، قد تتعرض هذه العملية التواصلية إلى مجموعة من الإكراهات الخارجية عن الرسالة والمعيقة للفعل. فلابد من مراعاة نفسية المخاطب ومستواه الإدراكي استباقا لكل مشوش سيكولوجي قد يفسد أو يؤخر أو يعرقل عملية التبليغ المأمولة، كما يتعين الانتباه – خصوصا عند التواصل اللفظي  الشفوي المباشر-،  واستعمال الأسلوب المناسب، واللهجة المناسبة، والاستبعاد ما أمكن عن الطرق العمومية الصرفة التي تحول التواصل وتختزله في مجرد اوامر وتعليمات تؤكد الفارق وتضخمه بين المرسل والمرسل إليه.

  • التواصل الداخلي:

لقد أجمعت الدراسات السوسيواقتصادية على الأهمية البالغة للتواصل داخل المؤسسات والتنظيمات الانتاجية (المقاولة نموذجا). فإذا كان التركيز سابقا على التواصل الخارجي للتنظيم المتجلي على مستويات متعددة كلها تربط المقاولة بعوامل خارج التنظيم، بالمحيط الخارجي، بمختلف المؤسسات الأخرى إنتاجية كانت أم تجارية أو إعلامية، بسوق الشغل، بمؤسسات التوزيع والتسويق، بمختلف الزبناء أفرادا ومؤسسات، فان التواصل الداخلي مطلب حديث بالمقارنة ولازال مفهوما غامضا على مستوى التناول والأدوات والجدوى. إلا أن المؤكد في مختلف الأبحاث في مجالات العلوم الإنسانية المتقاطعة والمختلفة من علم الاقتصاد، وعلم  المؤسسات ومختلف الدراسات المتعلقة بالسوسيولوجية الصناعية، وسوسيولوجية التنظيمات، أن للتواصل الداخلي داخل المؤسسة أهمية كبيرة في علاقته بمناخ العمل، وتحفيز الأفراد وأداء المؤسسة. فالتواصل الداخلي ليس مطلبا إضافيا ثانويا أو ترفا، زائدا إنه جزء رئيس وأساسي في الاستراتيجية الشاملة لتنمية كل الأطراف الفاعلة داخل التنظيم والمجتمع بصفة عامة.

 إن المتتبع لتطور وتحديدات هذا المفهوم خلال الآونة الاخيرة، وخاصة العقدين الأخيرين، يلاحظ أن أغلبية المهتمين يعتبرون أن لاشيء بدون تواصل بل اعتبروه واقعة أساسية وضرورية لنجاح المؤسسة[3]

ويميز الخبراء بوجه عام في هذا المجال بين التواصل بوجه عام والتواصل الداخلي في المجال الانتاجي وكثيرا ما اطلقوا عليه تسمية ” التواصل الإجرائي communication opérationnelle الذي يتعلق بالشغل تحديدا او بالخدمات المتراتبة، ويسمح باتخاذ المبادرات ومعرفة الاطار الاقتصادي، والتعرف على القدرات والانخراط السليم والمعلن في تنفيدها. ويمكن الإشارة في هذا المجل إلى إمكانية حدوث نوع من اللبس نتيجة الخلط بين الإعلام والتواصل من جهة، والتواصل والمعلومة من جهة أخرى، فالمعلومة ليست سوى جزء ا من عملية التواصل هدفها الأساسي هو أن تجعل الأفراد في علاقة ما مباشرة مع ما يجد من أفكار وأحداث. يمكن مثلا لمدير قسم الانتاج أن يقوم بتوصيل المعلومة الى مسؤول آخر عبر شكل من أشكال التواصل، البريد الالكتروني مثلا، ويتعلق الامر بنقل معلومة أو معلومات أساسية للالتزام بتفاصيل الانتاج. بينما يعتبر مفهوم التواصل مفهوما أشمل، فهو مجموعة من التطبيقات التي تهدف أساسا من خلال نقل المعلومة الى بناء علاقة متبادلة بين مختلف أطراف التنظيم[4].

كما أن الإعلام من جهة أخرى هو إيصال المعلومات والمعاريف المتعلقة بالحاضر أساسا انطلاقا من راهنية الأحداث، مما يجعل الإعلام والتربية او التنشئة شيئين مختلفين. فهذه الأخيرة – مع عدم إهمال أثرها على كل من التواصل والإعلام- نسعى الى توريت الأفكار وتمرير المعرفة والقيم من لدن الأجيال السابقة إلى الأجيال الحالية.

وإنه لمن المفارقة أن يكون هناك تواصل خارجي بين الأفراد العاملين بالمؤسسة وبين مؤسسات أخرى خارج الشغل، كالنقابات والأحزاب السياسية والجمعيات الرياضية والثقافية، والا يكون هناك تواصل داخلي يكفي ان نطلق عليه ما نسميه بلغة العصر ” تواصل القرب” communication de proximité ” يجعل كل الفاعلين في المؤسسة على اختلاف مسؤولياتهم وتفاوت مناهجهم منخرطين في واقعهم التنظيمي، منشغلين عبر هذا الانخراط بحاضر المؤسسة ومستقبلها. وحده التواصل إذا يجعل الافراد المتشغلين في المؤسسة في علاقة أفقية حميميته تتنمى معها درجة قابلية وقبول مختلف العلاقات العمودية الناتجة عن التراتبية الوظيفية والطبيعية داخل وسط العمل، إذ يتمكن الجميع من استدخال تمثلات ايجابية حول الحياة داخل التنظيم وحول انتاجها، وتلميع صورتها في المجتمع، مما يسمح لهم بالاعتزاز بالانتماء إليها، وينمي عندهم شهية الإقبال على العمل فيها، ويولد لديهم حواس الدفاع عنها، باعتبارها مكانا للتجمع والتلاقي حول مجموعة من الأهداف المشتركة. فإلى جانب كونها مصدر للرزق والعيش تصبح المؤسسة العامل الأساسي لتحقيق الرضى الشخصي والتوازن النفسي والاندماج الاجتماعي، وهذا ما يطلق عليه [5]D.Weiss تطبيقات التواصل. ويستقيم التواصل الداخلي في المؤسسات باعتباره ما يحصل عن ثلاث مكونات على الأقل الاعلام النازل،  والاعلام الصاعد، والاعلام المتبادل، وهي مكونات تنتظم في تواصل  لا شكلي، وتتداخل هذه المستويات لتتلاشى الحدود بين أنواع الإعلام. فلم يعد التواصل مقتصرا على المجال الكلاسيكي الاجتماعي المرتبط حصريا بالعمل داخل المؤسسة، وتوعية الماجورين وممثليهم عن طريق الإخبار التراتبي الاداري، او عن طريق ممثلي الأجراء ومناديبهم. ان التطور الحاصل في هذا المجال داخل المؤسسات المنتمية الى عالم الاقتصادات المتقدمة، بدأ يكشف أن التواصل الداخلي لا يقف عند حدود الإخبار وتبليغ المعلومة ولكن أصبح بمثابة تبادل عام وفي جميع الاتجاهات الاجتماعية والسياسية والقافية والعلمية وهكذا أصبح التواصل الداخلي يرمي إلى أبعد من مفهومه الاصطلاحي والإجرائي الأول. أصبح باستطاعته ان يحقق هدفين أساسيين، أولا، تعزيز ديناميكية الفرد وتفعيلها، ثانيا تقوية روابط التضامن الاجتماعي، على اعتبار ان التغيرات التي تحدث في المحيطين الداخلي والخارجي هي التي تساهم في وضع الأهداف المبتغاة وطرق تحققها باعتبارها أهداف مشتركة .

إن كل المؤسسات تعتمد التواصل الداخلي بشكل واع أو غير واع، ضمني أو صريح حسب درجة تطور أساليب العمل واعتماد ادارة متخصصة في مجال تدبير الموارد البشرية. تفرض هذا التواصل الداخلي – بغض النظر عن درجة تطوره – طبيعة العلاقات التراتبية التي تفرضها المؤسسة، والتي تظهر من خلال إبلاغ المعلومات من أعلى إلى أسفل، أو أحيانا من الأسفل إلى الأعلى.

إلا أن الملاحظ  أن هذه المسارات قد لا تستغل دائما بشكل جيد وعقلاني ومرض يأخذ بعين الاعتبار متطلبات التنظيم ومختلف عناصره. وعندما لا تسمح القنوات المؤسساتية الموضوعة دخل ورهن إشارة المؤسسة بتحقق التوصل الداخلي بشكل علني شفاف و واضح، فإن هذا الفراغ يفتح المجال أمام الإشاعة والتشويش واختلاق المعلومات، والتنافس على السبق إليها وامتلاكها، اذ تصبح قوة  وهمية عند صاحبها.

إن هذا النوع من التواصل غير المشكلن يفوت على التنظيم إمكانية الاستفادة الكاملة من الوسائل المؤسساتية الحقيقية في هذا المجال القادرة على تعبئة الأفراد والارتقاء المدروس للمؤسسة. لذا لابد من استثمار أدوات المؤسسة وتطوير وسائل أخرى لتوفير الطرق الناجحة في التواصل الداخلي، حتى يؤذي أدواره المأمولة بما يتماشى مع التدريس العلمي والعقلي للتنظيم حتى يقترن التواصل بعوامله المحفزة عليه من جهة وحتى يوفر الشروط الصحية والسليمة للارتقاء بمستويات الأداء في الشغل، ليحمل التواصل لقيمة المضافة إلى العناصر الثلاثة المستقلة ظاهريا والمتداخلة فعليا، أي العامل والمؤسسة والمجتمع.

ولقد بينت الدراسات أن التواصل الداخلي ليس مجرد بتجميع لتقنيات، ولا مجرد استعمال لادوات تعتمدها المؤسسة في المجال التواصلي، كالاجتماعات الدورية والاتصالات الهاتفية، والرسائل الالكترونية، والملصقات وغيرها… اذ اعتبرت شخصية المسؤول أو المسؤولين عن تدبير شؤون المؤسسة ذات تأثير قوي في هذا المجال من حيث درجة كريزمية carreisme ، وتمثله للتواصل – مفهوما واحداث وتطبيقا – وكذا من حيث مستوى مهنتيته، وتكوينه المعرفي، والخصائص والسمات السيكولوجية لشخصيته، على مستوى درجة انغلاقها وانفتاحها، وتسليطها أو اجتماعاتها وتسامحياتها،  بالاضافة طبعا إلى مدى مهنية وتخصص باقي الأفراد المسؤولين عن الموارد البشرية. فقيمة العنصر البشري على مستوى المعرفة والكفاءة والقابلية تسجل أهميتها داخل المؤسسة وعلى كل المستويات. فلا يكفي أن تتوفر العوامل التقنية والامكانات المادية والقنوات الرسمية ليكون التواصل الداخلي تواصلا ناجحا. لقد أثبتت الدراسات المعاصرة محدودية وقصور المقاربة التقنوية، فهي لم تعد قادرة على مسايرة التطور الحاصل في المجالات الاقتصادية عموما والمؤسساتية بصفة خاصة، لأنها تبعد عن مجال اهتمامها العوامل الإنسانية والثقافية والزمنية كعوامل لاشكلية، لا مادية باعتبارها عناصر غير قابلة للقياس والمعيرة. لقد أثبتت التجربة أن التواصل اللفظي اللاشكلي يساهم في خلق نوع من التوازن والانسجام داخل التنظيم أو أي مجموعة أو وحدة إنسانية. كما أن سوء تقدير التواصل الداخلي الذي قد يعني عند بعض المدراء والمسؤولين عن المقاولات مثلا، لاحتكاك اليومي والدائم بالمأجورين، يكشف عن تصور ساذج  قد يأتي بنتائج عكسية، لأنه يهمل أن التواصل الداخلي له آلياته وأدواته وضوابطه ومراميه، في إطارات مدروسة ومحددة، تمر عبر التدبير المعقلن لمديرية لموارد البشرية، وليس ظهورا متكررا لأحد المسؤولين في الورشات والممرات ولا توزيعا مجانيا للأوامر والتعليمات بمناسبة وبدون مناسبة، اعتقادا منه بضرورة إظهار التواجد الصارم، حتى يحصل الانضباط المأمول. فإذا شعر العامل بضخامة المراقبة، وبفضاضة الخطاب، فإن لايستطيع تملك فعله الأنتاجي ولا الإحساس بإيجابية الانتماء الى مناخ المؤسسة، لأن التواصل الداخلي يفترض أن يكون منظما مستقرا وعبر قنوات، إنما غير مرئي بشكل سافر. وحتى  لا يتحول الى نوع من الضيق والتضييق على العاملين بالمؤسسة يتعين أن يسري التواصل الداخلي بانتظام داخل جسد التنظيم، دون أن يرهق جسد ونفسية العامل فيها وإلا  تم اختزاله في نوع من الرقابة القاتلة لتلقائية والارتياح للعمل ومناخ الشغل داخل المؤسسة.

2-1 أهم شروط التواصل الداخلي:

إن التواصل الداخلي يدخل في إطار مسؤولية جميع الأفراد المكونين للمؤسسات. فهو يقوم على مجموعة من المرتكزات والشروط، ويشكل محددا قويا للنتائج والأهداف التي تحققها، أو سينتظر أو يحققها التنظيم. فمن أهم عوامل اللاتواصل التي تعيق سير المؤسسة وتحول دون إنجاز الأهداف المرجوة هو اختلال العلاقة العمومية داخل المؤسسة، إذ تبين أن المدير أو المسير الجيد هو الذي يثق في مؤسسته، ويقدر بشكل إيجابي العاملات والعاملين فيها ويمتلك القدرة على التواصل والاستماع والإنصات والفهم. ففي العقد الحالي وفي ظل التغيرات التي يعرفها العالم يفترض أن يقلص التواصل الداخلي المسافة الناتجة عن تراتبية  المسؤوليات واختلاف المناصب من خلال سيولة المعلومة وانسيابيتها، وذلك لأن المعلومة أصبحت تمثل جزءا من الطاقة الضرورية للعمل وعنصرا ضروريا للتحكم في دوالب العمل لصالح كل الأطراف (المسؤول والعامل وعملته الانتاج).

إن الشرط الأساسي لانجاح التواصل الداخلي بشكل جاد وفعال ينصب على المضامين المتعلقة بمختلف شؤون المؤسسة المالية والتنظيمية والبشرية وآليات التسويق والاشتغال، أي كل ما يتعلق بالوجود المؤسساتي لهذا التنظيم. حيث يكون – العامل أو يفترض- ان يكون على علم بسلم التربية وتدرجه وكذا بشروط المؤهلين للاستفادة منه وأسمائهم أن يكون على علم باسترتيجيات التكوين داخل المؤسسة على مستوى التوعية والأهداف، وكذا الفئات المستفيدة والأهداف المتوقع الوصول إليها من خلال هذه البرامج التكوينية داخل المؤسسة أم خارجها بمكونيها الذاتيين أم بخبراء خارجين. فالولوجية إلى المعلومة بهذا النوع من اليسر والوضوح يكرس الطابع النسقي للمؤسسة، ويجعل العامل فيها دائم الإدراك بأنه عنصر مترابط مع باقي العناصر، تربطهم بهم علاقات وقواعد  ضابطة ودائمة، حتى لا تصبح المعلومة امتيازا حصريا لفرد، أو عدد من الأفراد يمارسون بها نفوذا غير مؤسساتيا داخل المؤسسة.

في غياب الشروط الأساسية أو بعضها، يفقد التواصل الداخلي جدواه وأهميته، ويتحول إلى مجرد تواصل اديولوجي فوقي أو متعال لا إجرائية ولا مصداقية له . أنه الجزء غير المباشر في العملية الانتاجية، جزء يستلزم خططا محكمة واستثمارا ماديا وبشريا وتقنيا، وميزانية محددة ومناسبة، لانه – كما سبقت الإشارة- آلية انتاجية، سواء على مستوى العاملين كأفراد أو على مستوى المؤسسة ككل، أو على مستوى المحيط السويواقتصادي العام. إن أي إهمال في مجال استراتيجية التواصل الداخلي، إهمال لا يمكن أن ينتج إلا عن عدم مواكبة التحولات التي تعرفها المؤسسات في العالم، ومنها تحديدا تلك المؤسسات ذات الطابع الانتاجي والتجاري والخدماتي. فمدى جدية أو ضعف التواصل الداخلي في هذه المؤسسات هو إحدى العلامات الأساسية الدالة على تخلف المؤسسة وعدم قدرتها على المواكبة لمختلف التطورات التي يعرفها المال والأعمال في هذا المجال. بالإضافة إلى ذلك فإن أي فوضوية أو ارتجال أو غياب المراقبة والتوجيه قد يحول هذا التواصل الداخلي إلى أداة تخريبية خطيرة، تنأى بالمؤسسة عن أهدافها.

إذ هناك مؤسسات أفلست نتيجة غياب ثلاثة شروط أساسية يمكن أن يوفرها التواصل الداخلي الجيد والفعال: أولا محاولة التنسيق ومعالجة المفارقة المحتملة بين طرفين، بين مشاكل العمال واختلالاتهم الاجتماعية أساسا، وبين تحسين الأداء كهدف محوري للمؤسسة. ثانيا: العمل على ضرورة تجديد اندماج العاملين لتتنمى عندهم درجة الإحساس بالانتماء إلى المجموعة وبالتالي  للمؤسسة.  ثالثا، وهذه حالة أساسية ترتكز عليها مختلف المقاربات علم الانسانية السوسيولوجية: تحسين المناخ الاجتماعي والارتقاء به، على اعتبار أن هنالك علاقات تبادلية دائمة بين المؤسسة والمجتمع. فإذا كانت الحمولات الثقافية والفكرية والعقائدية ذات تأثير على التنظيم أو المؤسسة على مناخ العمل وكيف الأداء، فإن توطيد العلاقات الاجتماعية من خلال تجويد وسط الشغل، ينعكس بدوه على كيف الحياة والاستجابة لمتطلباتها في المجتمع، كمناخ أكبر وأوسع للعاملين. ويعتبر هذا المطلب العنصر الأساسي الذي ركزت عليه ثقافة المقاولة ونظريات التفاعل الاجتماعي كما سنرى لاحقا.

ومن أهم الشروط المهنية للدور الذي يطلع به التواصل الداخلي البنية المهيكلة للمؤسسة، لأنها تلعب دورا مهما في قنوات التواصل الداخلي. لذا لا يمكن تجاهل عناصر هذه البنية الهيكلية نذكر منها:

  • البنية البسيطة [6] astructurel facile :

توجد عادة في المؤسسات ذات الحجم الصغير، تتكون عادة من مستويين أو ثلاثة، تعرف تراتبية ذات طبيعة عمودية ويكون التواصل فيها غير مقنن communication informelle، ويكون مصدر القرار مركزا على مدير المؤسسة شخصيا. فما يميز هذه البنية هو كونها بسيطة ومرنة مع أنها تحمل في ذاتها خطرا يهددها ارتباطا بصعوبات التدبير مستقبلا. في حالة تطور المؤسسة يمكن لمديرها أن يجد نفسه محاصرا بكم هائل من المعلومات، وأمام مجموعة من القرارات التي يجب أن تتخذ، كما أن هذه المؤسسة مهددة بالتفكك والإفلاس في حال غياب المدير وانقطاعه عن الحضور. فالمدير هو مركز التواصل مركز القرار، فهوي يساوي المؤسسة.

  • البنية الوظيفية structures parfanctions

في هذه البنية يتجمع الخبراء المهنيون في نفس الوظيفة fonction : وظائف التسويق، التطوير والتكوين، الإنتاج، التواصل. وتعتبر هذه البنية متمفصلة وتسمح بتفادي الخلط بين الوظائف، كما توفر سبل البحث عن التواصل بين الأفرد المكونين لنفس المصلحة أو الوظيفة. وما يخشى وقوعه في هذه الحالة على المستوى اللاتواصلي أن ما ينبغي لوقوعه والتحسب لعدم وقوعه هو أن يتقوقع الخبراء داخل مصلحتهم وحول خبراتهم وأن يركزوا على أفكارهم ومعتقداتهم، وأن يصابوا بنوع من الاكتفاء الذاتي والوثوقية، فلا يسمحون بمناقشة القرارات ولا يولون أهمية للأراء الأخرى التي تنتجها باقي الوظائف داخل المؤسسة.

  • البنية بالتقسيم Structures par divisions إنها بنية متكونة من مجموعة من التنظيمات المصغرة organismes المستقلة، التي توكل لها مسؤولية عن نشاط محدد. وتكون هذه التنظيمات – تبعا لذلك- مسؤولة عن النتائج التي تتوصل إليها. من مزايا هذا التنظيم أنه يسمح للمؤسسة بتركيز اهتماماتها على النتائج من خلال اهتمامها بالتواصل الدائم بين مختلف هذه التنظيمات المصغرة، كما أنها توفر الجو المناسب لاتخاذ القرارات بشكل تشاركي.
  • البنية : Matricielle، إنها بنية تركز على ” المشروع” Projet. ومع بداية كل مشروع سواء اعتمدته المؤسسة بشكل دائم أم مؤقت تسند المؤسسة هذا الأخير لمن يقوم بتدبيره Chef de projet ، ويجمع حوله هذا الشخص المكلف بالمشروع فرقة من الأفراد الموجودين داخل المؤسسة، كما يقوم بانتقاء مجموعة من الخبراء ذوي الصلة بما تتطلبه طبيعة المشروع بهدف النهوض والتأثيرعلى مختلف جوانبه ومتطلباته. إن هذا النوع من الهيكلة يمكن من التشاور والتعاون والمتابعة Le suivi لمختلف جوانب المشروع، كما أنه يلغي مبدأ أخذ القرار من الإدارة العامة. ” فالأفراد المكونون لفرقة العمل يكونون على علاقة تواصلية منتظمة ودائمة مع مدير المشروع والمدير العام للمؤسسة، ويضمن جودة هذا التواصل وفعالية إمكانية الوصول إلى نفس الأهداف، وبالتالي الحفاظ على ديناميكية تواصلية فعالة ومؤثرة.
  • البنية العضوية structure organique
  • بما أن المؤسسة أو المقاولة تعيش اليوم في عالم اقتصادي مقولاتي متحول باستمرار ومن أجل مواجهة محيط تنافسي يتسم بعدم الاستقرار، مع ظهور العولمة وتداعياتها، أصبحت معظم المؤسسات تحاول بناء تنظيمات مرنة قابلة للتأقلم مع هذه الهزات والتحولات التي سيعرفها العالم. فالبنبة العضوية باعتبارها قابلة للتكيف وإعادة التكيف قابلة للتعديل السريع في الآجال القصيرة المدى، وذلك حسب الاحتياجات الموجودة. وهذه المرونة تفرض على العاملين والأفراد المكونين لهذه البنية معرفة ما يجب أن يفعلوا ويطبقوا في الوقت المناسب من أجل المواجهة الفورية للاكراهات والتطورات الطارئة، والتواصل هذا يصبح ضرورة يلجأ إليها أفراد البنية لتوحيد الرؤيا وتنسيق الجهود في أقل الآجال الممكنة.
  • البنية الأفقية Structure horizontalité

توجد هذه البنية في المؤسسات الكبيرة والتي تحتضن مفهوم البنية البسيطة المكونة من ثلاث إلى أربع مستويات إدارية عمودية، وبهذا يتم إلغاء جميع الحدود العمودية والأفقية التي قد تعيق أو تبطئ تنفيذ المهام، حيث يتم تكوين فرقة متعددة الاختصاصات، مكونة من جميع أفراد المؤسسة، فتكون صيرورة التواصل نافدة وإيجابية، تمكن من التنفيذ الملائم للمهام مع الاهداف. فالشرط، لنجاح ذلك هو توفر ديناميكية تواصلية داخلية داخل المؤسسة communication formelle .

إن البنية القائمة على التراتبية ذات النظام التقليدي في المؤسسات تحتم على التواصل الرئيسي أن يطبق بطريقة عمودية من الأعلى إلى الأسفل ومن الأسفل إلى الأعلى. وفي هذا السياق يرى Henri Fayel[7] محدودية التواصل الأفقي، إذ لا يعترف به إلا في حالة الأزمات. فقانون التواصل العمودي يفرض على الفرد أن يتواصل بطريقة رسمية مع رئيسه المباشر، فقط وهذا الأخير بدوره لا يتواصل إلا مع مديره المباشر، وهكذا إلى أن يتم التواصل مع أعلى جهة إدارية للمؤسسة. وتحمل الرسائل في التواصل الرسمي من الأسفل إلى الأعلى مضامين بعينها، كتلك المتعلقة بالمعلومة العادية الروتينية والضرورية لجميع مستويات العمل بالمؤسسة. كما أنها قد تتضمن إجابات الفاعلين عن مختلف الأسئلة المتعلقة بخبراتهم وعن استجاباتهم المرتبطة بتطبيق المهام الموكولة، إليهم وتقاريرهم عن مختلف المشاكل والمعيقات المرافقة[8] لمراحل التنفيذ ولذا فمن جودة التدبير ذات علاقة قوية بجودة المعلومة الصاعدة وكذا على نجاعة نظام وتنظيم هذه المعلومات. كما أن صعود المعلومة في هذا النمط التواصلي سيمكن من نقل الآراء والاقتراحات، كما سيسمح بالكشف عن مدى رضى وقلق العاملين بالمؤسسة. كما يمكن ان تتحرك المعلومة من أعلى إلى أسفل، وغالبا ما تدور حول طلب معلومة روتينية كالبيانات العامة، والمعطيات الرقمية. والملاحظ أن الحصول على هذه المعلومات مسألة سهلة  في المؤسسات العصرية من خلال اعتماد قناة للنظام المعلوماتي الداخلي، كما تحتوي هذه لرسائل مختلف الأوامر والتعليقات والقرارات النوعية الخاصة بالتدابير اللازمة لتحقيق المهام وتضع أيضا مختلف التدابير المؤسساتية، وكذا الشخصية الصادرة عن المؤسسة.

نستنتج مما سبق ان هذه التراتبية من أسفل إلى أعلى ومن أعلى إلى أسفل( تركز قنوات التواصل وتعمل على استدامتها وتضمن القدرة على نقل المعلومات الخاصة بكل مستويات وأطراف المؤسسة، وتجسد دينامية التواصل الداخلي وتعزز قنواته وتطورها، باعتباره – أي التواصل الداخلي- أداة ضرورية لتحقيق المهام.

 وإذا كان التواصل الرسمي شرطا أساسيا لكل تنظيم يدخل في إطار القواعد والقوانين التي تفرضها، وتديرها وتطورها المؤسسة فإن التواصل غير الرسمي communication Informelle  يخرج عن هذا الإطار المنظم. ففي التواصل الرسمي يتم مخاطبة وضعية اجتماعية محددة position social  ، وليس شخصا معينا. لذا تستعمل قنوات مخصصة لهذا التواصل تبنى الرسائل بواسطة علامات اللغة الرسمية ومكونات المرجع الثقافي للمؤسسة. أما في التواصل غير الرسمي فنحن نخاطب من نشاء، متى نشاء، وحسب نوعية المخاطب. وليس بالضرورة حسب المنصب أو الوظيفة التي يقوم بها. كما نستعمل وسائل  لغوية ومكونات مرجعية ورمزية تقدر على أنها الأكثر ملائمة لنوعية العلاقة التي تربطنا بالمخاطب، والمعلومة التي نريد تبليغها. إلا أن الملاحظ على مستوى الواقع والممارسة الموضوعية أنه نادر ما يتوفر تواصل  رسمي صرف وبشكل كلي. فكثير ما يكون التواصل داخل المؤسسة رسميا وغير رسمي، يتعلق الأمر فقط بمدى طغيان احد النوعين على الآخر.

إن التواصل غير الرسمي يلعب أيضا دورا في سيولة التواصل، وسهولته داخل المؤسسات، على اعتبار أن الأفراد العاملين بها هم قبل كل شيء كائنات إنسانية اجتماعية، وهم بحاجة إلى تعريف وتقييس سلوكاتهم وأفكارهم بطريقة مستقرة. مع كل ما يرتبط بمحيطهم الاجتماعي. والتي انتبهت المؤسسة الحديثة إلى هذه الحاجة المتزايدة لتواصل غير الرسمي عند العاملين بها، وأصبحت تويله اهتماما متناميا، وتعمل على إحداث مناسبات خاصة لبلورته وإشباعه، لأن أي مؤسسة لا يمكنها منع أفرادها من التواصل فيما بينهم بطريقة غير رسمية. لذا عليها أن توفر الفضاءات المناسبة داخل مجال الشغل لإشباع هذا النوع من الحاجة، في مقهى أو مطعم المؤسسة، وخلال لحظات الاستراحة مثلا، أو عند تواجد أفرادها بوسائل نقل المستخدمين أو الأماكن المخصصة للاجتمعلا النقابية. إن عدم الاهتمام  بفرص التواصل غير الرسمي، على اعتبار أنه عديم الأهمية بالنسبة للمؤسسة يمكن أن تترتب عنه مشاكل بالنسبة لكل من الأفراد والمؤسسة عموما. فقد ينتج عن ذلك نوع من الاختلاق للمعلومة وتملكها والمساومة بها. لذا يتعين أن تضاعف المؤسسة من – اهتمامها بالتواصل الرسمي وأن تؤمن سيولته ومرونته. وأي نقص في هذا المجال يمكن أن يؤدي إلى مواجهات  غير رسمية بين مختلف المعلومات والآراء، وذلك لما تتضمنه قنوات التواصل غير الرسمي من تفسيرات وتحليلات وشائعات. لذا فإن الحل لمواجهة هذا الاختلال يكمن من جهة، في توفير مناسبات التواصل غير الرسمي داخل المؤسسة وكذا العمل على تعزيز وتقوية قنوات التواصل الرسمي.

  • لابد من توفر شرط تعزيز التواصل الداخلي، حيث ينبغي على كل الأفراد داخل المؤسسة وعلى جميع المستويات توفير الظروف الملائمة لسيرورة واستقرار التواصل الداخلي، اخذا بعين الاعتبار العلاقات الفردية، فعلى المؤسسة أن تعتبر أن كل عامل هو فرد متميز يعمل على تطويره والاهتمام به كما يمكن – واستكمالا لهذا الشرط، للمؤسسة أن توفر الظروف المناسبة لانسجام العاملين وانخراطهم في مشروع مشترك. فلا تواصل بدون تحفيز يجعل الفرد مستعد للتواصل، ولدي الاقتناع والإرادة والقابلية للفهم والاندماج لا يمكن أن يتواصل فرد لا يشعر بالحاجة إلى ذلك، فلابد أن يكون التواصل مصدر إشباع شخصي وأساس انسجام جماعي، لأنه داخل كل فرد توجد مجموعة من التجارب، له رغبة في أن يتقاسمها مع الآخرين عن طريق التواصل. وهو أيضا مصدر انسجام جماعي لانه يسمح بالتعبير والاستماع للآخر، الشيء الذي يعزز الإحساس بالانتماء الى المجموعة

2-3 أهداف التواصل الداخلي:

لا يمكن في الواقع الفصل بين شروط التواصل الداخلي والأهداف المراد تحقيقها إلا فصلا منهجيا وذلك لأنه متى توفرت شروط  تواصل فعال وإيجابي، تحققت الأهداف المنشودة. إنما تجدر الإشارة إلى أنه لا توجد قواعد مضبوطة ومحددة ودائمة وصالحة لكل الوضعيات التواصلية standards  من أجل تطبيق سياسة تواصلية صالحة، ودائما لجميع المؤسسات والتنظيمات. فكل مؤسسة مطالبة بنوع من الاجتهاد والإبداع لاختيار الشكل المناسب لها لجعل التواصل الداخلي بها مفيدا ويؤثر تأثيرا مباشرا و واضحا أداء كل من الأفراد والتنظيم، ليتحقق هدف بيداغوجي أساسي عند إمكانية توفير جو من التعاون و الحوار، تتقلص فيه الحدود والمسافات بين الرؤساء والمرؤوسين، ويتوفر فيه مناخ إنساني تشاركي، يسمح بالرضى ورفع الأداء.

  • يسمح التواصل الداخلي على إقرار السياسة الداخلية للمؤسسة المتجلية في مبدأ دمقرطة فضاء الشغل، من حيث الحق في التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة. ولقد تحقق هذا الهدف من خلال تشريعين اثنين على الأقل الأول كان ببلجيكا: قانون 1948 من خلال التقارير الحكومية التي قسمت المعلومات إلى معلومات سنوية تسمح بالحصول على تصور محدد عن بنية العمل وتطوره وتصوراته المستقبلية، – معلومة تقدر بعد كل ثلاثة أشهر، تحمل الاحتمالات المستقبلية معلومة المدة، ومعلومة ظرفية تتضمن اخبارات يتعين على العمال الإحاطة بها، كحالات الطرد، والحالات التأديبية، وحالات التشغيل، وبرنامج التكاوين، ومخططات إعادة التأهيل الوظيفية والمهنية، والإخبار بالجديد في سياسة الموارد البشرية، وبالتنظيمات الجديدة الطارئة على الشغل.

أما التشريع الثاني والذي يحقق هذا الهدف فكان بفرنسا سنة 1982: أقر بأن لكل فرد حق التعبير داخل المؤسسة وإبداء الرأي حول مضمون وتنظيم العمل بل وله الحق أيضا في التدخل في الإمكانيات المرصودة للسيرورات المعتمدة من أجل تحسين ظروف العمل داخل المؤسسة. ومن هنا يمكن القول بأن التواصل الداخلي بصفة عامة يحقق هدفين أساسين مترابطين : جودة المناخ داخل محيط العمل، والارتقاء بالمؤسسة لتصمد أمام كل أنواع التنافسية التي تحملها السوق.

  • ومن جهة أخرى إن التواصل الداخلي يرمي في فلسفته العامة إلى جعل الأفراد يعلمون انحدار المعلومة وصعودها حسب الاتجاه الذي يأخذه التواصل الرسمي العمودي كما سبق، ثم جعل المعنيين يقبلون أنه لا يكفي أن تصل المعلومة إلى أفراد المؤسسة بل لابد من العمل على إقناعهم بالانخراط في تفعيل المعلومة، وجعل ردود الأفعال الإيجابية اتجاه المقترحات أو الإرساليات. وأخيرا جعل المعنيين يبادرون هذا هو الهدف العملي والإجرائي للتواصل الداخلي، إذ لا تصبح المعلومة ذات فائدة إلا عندما تؤثر على سلوكات الأفراد وقراراتهم.  وهكذا يكون المشتغل بعد أن أخبر اقتنع وبعد أن اقتنع بادر وتصرف لصالح توجهات المؤسسة وأهدافها.
  • وبصفة عامة يحقق التواصل الداخلي مجموعة من الأهداف أهما:

يسمح لكل فرد بالتموقع داخل مؤسسة أو تنظيم. إذ يكون الأفراد العاملون على بينة بأهداف الإدارة ويعرضون ما تنتظره منهم.
يمكن من مواجهة العزلة ويعالج وضعيات الصراعات والنزاعات. يؤدي غياب التواصل إلى ظهور العزلة والمناخ المشحون المناسب لتبادل الثوتر ويوفر وجوده على العكس  من ذلك تبديد جو التكلف والصرع، ويجعل الأفراد ينفتحون على بعضهم، ليكونوا بشكل جماعي جو الانسجام والتشارك
تقاسم الخبرات والتجارب. يولد التواصل الداخلي نظرة إيجابية واضحة عن انتماء  الأفراد للمؤسسة، فيتقاسمون خبراتهم وتجاربهم بسخاء ليجعلوا المجهودات الخاصة تصب في  الهدف المشترك للمؤسسة.
تبادل وفهم المعلومات. يؤدي فهم المعلومة وتناقلها بين أفراد المؤسسة إلى الوعي الجماعي من أجل تحقيق المهام المطلوبة، استجابة للأهداف الفردية من خلال تفعيل الهدف العام للمؤسسة.
تطوير وتحسين أداء الأفراد يؤدي تلقي المعلومة إلى تحفيز الأفراد وتحقق رضاهم، مما يؤدي إلى إنجاز إنتاجية مرتفعة، يتم ترجمتها عند الأداء، الشيء الذي يحسن كلا من وضعية العامل والمؤسسة.
إحداث التغيرات يمكن التواصل من لوقوف عند الاختلالات وتوجيه مجهودات الإدارة، ومديرية الموارد البشرية تحديدا الاتجاه الصحيح والمأمول.
توقع التوثرات تجنبها أو التقليل من مفعولها تؤدي المعلومات غير الكافية أو الخاطئة إلى خلق علاقات متشنجة ومتوترة بين العاملين. فالتواصل الداخلي ينقل المعلومات الصحيحة يضعها بين أيدي الجميع ويحافظ على العلاقات السليمة والمساواة في بلوغ المعلومة، فتتراجع دواعي التوتر والامتياز الذي يمكن أن يكون حكرا على فرد دون سواه
تحقيق احتياجات الأفراد والحفاظ على معنوياتهم. يمكن للأفراد العاملين معرفة احتياجاتهم عن طريق التواصل الداخلي، ويمكنهم التعرف بها عن طريق التواصل الصاعد، مما يعطي للمدراء والمسيرين فرصة الاستجابة لها، مما ينعكس ايجابا على الفرد والمؤسسة.

2-4 التواصل والتفاعل الاجتماعي:

إن المقاولة أو المؤسسة عموما، قبل أن تكون وحدة اقتصادية أو إنتاجية أو خدماتية، فهي قبل كل شيء نسق اجتماعي منفتح تؤثر في محيطها وتتأثر، به كما تتغير من الداخل طبقا للمستويات العلائقية الدائرة بين مختلف الأطراف المكونة لها. فهي مجال لتفاعل أعضائها من أجل تنظيم علاقاتهم الاجتماعية والمهنية، قصد تحقيق أهدافهم وانتظاراتهم. ومعلوم أن نشاط الفعلين داخل المؤسسة يسير ويتطور وفق مجموعة من القواعد والقوانين التنظيمية رسمية كانت formelles أم غير رسمية Informelles ، كما أشرنا إلى ذلك سابقا تنظم هذه الأشكال أنماطا متعددة للتواصل والتبادل داخل المقاولة.

لا يخفى اليوم على المهتمين بهذا المجل أهمية التواصل الداخلي كتفاعل اجتماعي على استمرارية المقاولة وتطورها الإيجابي، حيث تأكد أن التواصل بكل مستوياته داخلي وخارجي، وبمختلف أشكاله تصاعدي وتنازلي، وأفقي وعمودي، له انعكاس قوي على مختلف الفاعلين بالنسق.

لقد تناول علم اجتماع التنظيمات، كمجالات معرفية أخرى هذا الموضوع، إذ ظهرت مجموعة من المقاربات تناول التواصل وآليات اشتغاله، ويمكن أن نتوقف عند أهمها:  مقاربة برونكس Ph Bernoux [9]

  • اهتمت هذه الدراسة بنسق التواصل في التنظيمات، وبشكل خاص بتغيير سلوك الأفراد والجماعات داخل المقاولة، وبالوقوف عند المعايير التي تتحكم في ذلك التغيير. وقد كشفت الدراسة ل Bernoux العلاقة بين سلوك الفرد أو الجماعة وبين الوضعية التي يوجد فيها هذا الفرد أو الجماعة انطلاقا من العلاقات التفاعلية. فالعلاقات داخل التنظيم من هذا المنطلق لا يمكن فهمها إلا في إطار الجماعة التي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد، وارتباطا بالمعايير المتبناة مع الأخذ بعين الاعتبار القيم والعادات كثقافة سائدة، أو ما اصطلح عليه في سوسيولوجيا التنظيمات بثقافة المقاولة من جهة، وكذا نظام الحوافز المقدمة للفاعلين. فالمقاولة من هذا المنظور ليست نظاما ثابتا ولا نسقا مغلقا، لأن العلاقات داخلها تتطور باستقرار، لتعطي الاشارات بأن المقاولة حية ومتحركة داخل استقرارها واستمراريتها، فهي تتغير نتيجة الضغوط والإكراهات الداخلية والخارجية. فكلما اشتدت الإكراهات التي لا تتساوق مع العوامل المجددة للعلاقات، باعتبارها لا تدعم النسق العام للمقاولة، كلما تقوت وارتفعت الضغوطات الداخلية للتنظيم، مما يؤكد تلك العلاقة القائمة بين الضغطين الخارجي والداخلي للمؤسسة. فبيرنوBernoux يؤكد أن المقاولة بناء اجتماعي ونسق قائم من التفاعلات بين بين مختلف الأفراد على اختلاف تراتبيتهم داخل المقاولة أطرا كانوا أو عملا أم مستخدمين، فهذا ينعكس بنسبة ونمط اشتغال المقاولة. لذا ركزت أبحاث برنو على ما يسمى بالسوسيولوجيا التفاعلية المنطلقة من التوفيق بين المقاربات السيكولوجية والسوسيولوجية في رصد العلاقات داخل التنظيم، لأن التفاعل بين الفرد بكل مقوماته السيكولوجية، وبين الجماعة بكل أبعادها الثقافية يقوم أساسا على التفاعل بينهما.

إن الرهان الأكبر داخل هذا التصور هو انسجام المقاولة لتشكل الفضاء الأمثل للعاملين بها من أجل تطوير المناخين: مناخ الشغل والمناخ البشري. إن هذ الرهان لا يتحقق إلا عند توفر قدرة مختلف الفاعلين على تمثل المقاولة كنسق قائم على مجموعة من العلاقات الاجتماعية المؤسسة على معايير تضمن الجمع والتوفيق والانسجام بين الأعضاء، يذكر بيرنو على رأسها، الثقة الهوية الثقافة كمجموعة من القواعد القادرة على التأليف، والتوافقات كطرق متعددة لتدبير الخلافات… وقد اعتمد بيرنو هذه المفاهيم الأساسية مدخلا لفهم التواصل داخل المقاولة.

ويؤكد Bernoux أن الفهم الأمثل لعلاقات التواصل بين الفاعلين وآليات اشغال المقاولة، والاختلالات الوظيفية التي يمكن أن تتعرض لها، لابد أن يمر عبر فهم مسلمات التحليل الاستراتيجي، مذكرا بأن قدرة الفاعل على التواصل داخل المقاولة يمكنه من اكتساب سلطة من خلالها يحقق بعض الحاجيات والأهداف”. ويضيف بيرنو – دعما لما سبق- أن ” للمقاولة هوية”  تنهل قوتها وقدرتها على الاستمرار من التماسك والترابط بين مختلف مكوناتها، بفضل النسق التواصلي القائم على العلاقات الاجتماعية المتنوعة والمركبة. وانطلاقا من هذا الشعور تنكشف محدودية كل المقاربات الاقتصادية والقانونية. فالمقاولة كتنظيم في ظل هذا الفهم ليس مجرد نصوص قانونية ولا أرقام ومعاملات مالية، أو مجرد نماذج اقتصادية قارة وجاهزة، لأن Bernoux ينظر إلى المقاولة انطلاقا من هذه المقاربة، انطلاقا من سوسيولوجية الفعل التي تمنح إمكانية فهم الفعل الفردي الذي هو أصلا مصدر الأفعال الاجتماعية. كما ينظر Bernoux إلى التواصل انطلاقا مما يسميه ” “سوسيولوجيا الرابط الاجتماعي” التي تقدم الإطار المناسب لفهم الفعل الجماعي عبر الهوية والثقافة والتوافقات كما –سبقت الإشارة-. لذا فإن التواصل داخل المقاولة عند هذا الباحث شديد الارتباط بالعلاقات التفاعلية، لان سلوك الأفراد ومختلف الوضعيات التي يتواجدون فيها، بالإضافة إلى ثقافة المقاولة، هي المحددات الأساسية لطبيعة علاقات التواصل داخل المقاولة.

  • مقاربة Mintzberg

تعتبر مقاربة  . Mintzbergمن أهم المقاربات في هذا المجال، اجتمعت عناصرها من خلال مجموعة من الدراسات، جسدها في مجموعة من الأعمال وعلى رأسها مؤلفه المشهور Le management voyage au centre [10]des organisations  اكد فيه على الأهمية البالغة للتواصل داخل التنظيمات. إذ قارب فيه إشكالية التواصل من خلال دراسة العلاقة الرابطة بين ما يسميه المكونات الخمس للتنظيم : فعلى رأس هذا التنظيم توجد القمة الاستراتيجية Le somment stratégique، وهي المسؤولة عن النظرة الكلية تحدد وظائفها في ثلاث مهمات أساسية: أولها الإدارة المباشرة للتنظيم، وتتمثل في توزيع مختلف العاملين في مناهجهم وإعطاء الأوامر حول القرارات الأساسية، وتدبير الصراعات وفك النزاعات. ثانيها تدبير علاقات لتنظيم من المحيط الخارجي، للوقوف عند نقطة انطلاقة ورسم حدوده ومداه. ثالثها قيادة التطور الاستراتيجي والمستقبلي للتنظيم، كما يتضمن التنظيم المركز الإجرائي Le centre opérationnel  . وعلى هذا الجزء تقع مهمة التمرين والتوزيع الخدمات أو المنتوجات وكذا مختلف الوظائف الوجيستيكية. ويعتبر هذا المركز عند . Mintzberg قلب التنظيم وعموده الفقري. أما الجزء الثالث المكون لجسد التنظيم فهو الخط التراتبي La ligne hiérarchique، وهو الخط الذي يصل القمة الاستراتيجية بالمركز الإجرائي، إنه الخط التراتبي الذي يختلف من مقاولة لأخرى. أما المهمة الأساسية للبنية التقنية Latéchnou –structure فهي وضع التصور والتخطيط، وهي مسؤولة عن كل طارئ يقوم بتغيير المهام في المقاولة، كما أنها المكلفة بمعيرة standardisation وتنظيم الوظائف وتكوين الفاعلين داخل المؤسسة، كما تتوفر المقاولة على الرعاية اللوجستيكية Le support technique ، ويدخل في اهتمامها كل المهام ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بأنشطة المقاولة وهي مرتبطة أساسا بالمرافق ذات الطبيعة الثقافية والاجتماعية .

إن هذه المستويات المكونة للتنظيم والتي توقف عندها. Mintzberg هي أساس اشتغال التنظيم، حيث أن الخيط الرابط التراتبي الذي يضم الأطر التي يوكل إليها الإشراف المباشر على عمليات الإنتاج، باعتبارها الحلقة الرابطة بين القمة الاستراتيجية أي الإدارة بكل أطرها، والمركز الإجرائي الذي يسهر على عمليات الإنتاج ويشمل كافة العمال والمستخدمين، إن هذا الترابط هو الضامن لسيولة المعلومات، لأنه هو الذي يمد الإدارة بالمعلومات وكافة المعطيات الضرورية التي تمكنها من معرفة ما يجري داخلها وبالتالي من حسن تدبير مواردها البشرية، فتصبح لها القدرة انطلاقا من ذلك على التحكم في الانتاج وامتلاك تصور شمولي للتنظيم ولمختلف الأجزاء المكونة له، إضافة إلى توفير شروط التنسيق بين الإدارة وأطرافها الفنية والتقنية التي تكون مكلفة بتحقيق هدف رئيسي وهو معيرة الشغل وصياغة المخططات و وضع البرامج.

نستنتج من دراسة Mintzberg أن هناك علاقة قوية بين بنية التنظيم وكيف التواصل داخل المؤسسة. فالتنظيم الهرمي التراتبي هو المسؤول عن تحديد نمط وشكل التواصل بين الأفراد داخل مختلف مستويات التنظيم. وحتى يتم فهم أشكال العلاقات داخل المؤسسة، لابد من تحديد الفاعلين المؤثيرن، ولابد من الوقوف عند الحاجات والأهداف المراد تحقيقها، كما يتعين معرفة قدرة كل فاعل على التأثير حتى يتمكن من تحقيق هدفه.

ويلخص Mintzberg إلى أنه بقدر ما تكون البنية المقاولاتية بنية محكمة متكاملة وتراتبية، بقدر ما يكون التواصل ذا سيولة وشفافية عالية، حيث يضمن هذا البناء المتماسك للمقاولة الترابط العلائقي بين مختلف الأطراف المكونة للتنظيم. وفي المقابل يرى Mintzberg أن كثرة النزاعات وظهور الصراعات داخل المقاولة هي مظاهر دالة على الاختلالات الواقعة في البنية وعلى ضعف مؤكد في مستويات التواصل والتنسيق، على اعتبار أن التواصل ينبغي أن يخترق بنية التنظيم من أعلاها إلى أسفلها ومتمثلا لخصوصيات الذاتية للعاملين بالمؤسسة، وأيضا لأهداف المؤسسة ودورها ليس فقط الإنتاجي الاقتصادي، ولكن أيضا لأهداف المجتمع وسيروراته.

الدكتورة: وصال الأمغاري

[1] Christine en Donjean : la communication interne : Edition Edipro 2006

[2] Marhal Mac .ZUHAN 1964

[3] J.Alegrand ” l’information dans l’entreprise : problème  d’opinions 1964.

[4]

[5]

[6]

[7]

[8]

[9] Ph. Bernoux : la sociologie des reprise

[10] H. . Mintzberg : Le management au centre des organisation 2004.

عن Azziz_Bakouch

عزيز باكوش
2. مكلف بالإعلام والاتصال بالأكاديمية الجهوية للتربيةوالتكوين بجهة فاس بولمان
3. كاتب مهتم بشؤون الإعلام في مختلف تجلياته
4. مراسل معتمد لجريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية
5. مدير موقع فاس اليوم الالكتروني fes-today. com

شاهد أيضاً

السينما التربوية حاضرة في اليوم الوطني للسجين بالسجن المحلي بصفرو

           السينما التربوية حاضرة في اليوم الوطني للسجين بالسجن المحلي بصفرو عزيز باكوش **   شهد …