الرئيسية - أخبار - الجريمة في قانون التعمير

الجريمة في قانون التعمير

الجريمة في قانون التعمير

مقدمــــــــــــة

إسهاما في مجهود التصدي للاختلالات الناجمة عن الحركية العمرانية التي تشهدها بلادنا في الآونة الأخيرة، والتي فاقمت التدهور الملحوظ للمشهد العمراني واستفحال ظاهرة البناء العشوائي، تأتي  هذه المساهمة حول “الجريمة في قانون التعمير ”  لإماطة اللثام عن  هذا الموضوع.

ويعد هذا العرض قيمة مضافة ومفيدة لتعميق النقاش حول دور الحماية الجنائية في ضبط المشهد العمراني وسبل الارتقاء بالعمل القضائي في ميدان العمران باتجاه ترسيخ سيادة القانون وصون الحقوق. كما يعد العرض  فرصة لبسط اقتراحات واقعية من شأنها تحسين الوضع العمراني والمعماري ببلادنا واستئصال جذور الممارسات والسلوكات غير المشروعة بشكل صارم.

واقتناعا منا بأهمية الموضوع تم التشديد على ضرورة تنظيم ملتقيات أخرى من هذا النوع لإغناء النقاش وتعميقه بخصوص هذا الموضوع الهام، من أجل تعميم الفائدة على مختلف صناع القرار والباحثين وجميع فئات القراء الأخرى وإثراء التراث القانوني والقضائي المدون.

        وقد عرفت  ظاهرة الاختلالات العمرانية تزايدا ملحوظا في الآونة الأخيرة، في العديد من مناطق المملكة، مما خلف واقعا عمرانيا مشوها أفرز مشاكل لا حصر لها، وأخل بشروط التنمية العمرانية المندمجة والمتوازنة وبمتطلباتها.

ولقد اكتست هذه الظاهرة في بعض الحالات خطورة كبيرة، نظرا لانتشارها بمواقع ذات طابع بيئي متميز أو لتشييد بنايات مشوهة ومختلة تشكل تهديدا مستمرا لصحة المواطنين وأمنهم وسلامتهم.

وإذا كان استفحال هذه الظاهرة السلبية يعود بالأساس إلى عوامل النمو الديموغرافي والهجرة القروية وتنامي الطلب على السكن في الوسط الحضري، فإن هذا الزحف المتواصل يرجع كذلك إلى ضعف المراقبة وغياب التصورات الاستباقية لدرء الخطر قبل وقوعه، وتقاعس الأجهزة المكلفة بتدبير قطاع التعمير والبناء في تطبيق القانون،

لقد انتبه المغرب، ومنذ مطلع القرن العشرين، إلى ضرورة تنظيم المجال والتحكم في عمليات البناء، فكان أن صدر الظهير الشريف المؤرخ في 16 أبريل 1914 المتعلق بالتصفيفات وتصاميم التهيئة وتوسيع المدن والارتفاقات وضرائب الطرقات، الذي شكل اللبنة الأولى التي انبثقت عنها الترسانة القانونية لميدان التعمير وإعداد التراب، وكذا الأرضية الصلبة التي انطلقت منها السياسة التعميرية لبلادنا، حيث تم تغييره وتتميمه بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في 29 نوفمبر 1951.

     مع تزايد عدد السكان واتساع رقعة المدن كان لا بد من إعادة النظر في القواعد العامة الواردة بالظهيرين السالفي الذكر، فتوالت النصوص القانونية التي أصدرها المشرع، خاصة الظهير الشريف المؤرخ في 30 يوليوز 1952 المتعلق بالتعمير، والظهير الشريف المؤرخ في 30 شتنبر 1953 المتعلق بالتجزئات والتقسيمات، والظهير الشريف المؤرخ في 25 يونيو 1960 المتعلق بتنمية التجمعات القروية.

واقتناعا من المشرع بضرورة مواكبة التطورات التي يعرفها المشهد الحضري ببلادنا، كان لابد من مراجعة النصوص القانونية المتوفرة، وملاءمتها مع الواقع الحالي، حيث تم سن القانونين 12.90 المتعلق بالتعمير، و25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، لسد الفراغ التشريعي الذي ساد طوال ثلاثة عقود، وللتصدي للتجاوزات التي ولدتها التطورات العمرانية التي صاحبت الطفرة الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها بلادنا خلال هذه الفترة.

    هذا وقد شكلت أحداث الزلزال الذي ضرب منطقة الحسيمة، إيذانا بتحول عميق في التشريع المتعلق بالتعمير، وخاصة بالجانب المتعلق بمراقبة البناء، حيث تم وضع مشروع القانون رقم 04/04 والذي يوجد في مراحل جد متقدمة من الدراسة.

المبحث الأول : تحديد حالات التجريم في قانوني التعمير والتجزئات العقارية :

المطلب  الأول: حالات التجريم في قانون التعمير (القانون رقم 90-12)[1]

–    القيام ببناء جديد أو تعلية أو توطئة للأرض من شأنها تغيير حالتها، في الأراضي التي يشملها الطريق المحدث بمقتضى قرار رئيس المجلس الجماعي (وهي أعمال ممنوعة طبقا لأحكام الفقرة 2 من المادة 34 من قانون التعمير) ؛

–         القيام ببناء دون ترخيص بذلك (وهو الترخيص الذي يمنح بمقتضى المادتين 40 و42 من قانون التعمير) ؛

–         استعمال المبنى دون الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة (طبقا لمقتضيات المادة 55 من قانون التعمير) ؛

–    تغيير الغرض الذي خصص للمبنى بعد الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة (طبقا للمادة 58 من قانون التعمير) ؛

–    خرق ضوابط البناء العامة أو الجماعية المنصوص عليها في المادتين 59 و61 (وهي المتعلقة بشروط السلامة ومتطلبات الصحة والمرور وقواعد استقرار المباني ومتانتها وشروط التهوية وتدابير الوقاية من الحريق وطرق الصرف الصحي والتزويد بالماء الصالح للشرب…) ؛

–         خرق ضوابط التعمير.

كل هذه الحالات تضمنتها المادة 66 من قانون التعمير.

وحددت المواد من 71 إلى 75 العقوبات المطبقة عليها والتي هي عبارة عن عقوبات مالية لا تتجاوز في أقصاها 100.000 درهم.

المطلب الثاني : حالات التجريم في قانون التجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات (القانون رقم 90-25)[2]

1- إحداث تجزئة أو مجموعة سكنية أو مباشرة أعمال تجهيز أو بناء دون إذن (المادة 63) ؛

2-   بيع أو إيجار قسمة بقع من تجزئة أو مساكن من مجموعة سكنية أو عرض ذلك للبيع أو الإيجار قبل الحصول على الإذن بإحداث التجزئة أو المجموعة السكنية أو قبل التسليم المؤقت للأشغال (المادة 64) ؛

3-    عدم الحصول على الإذن بالتقسيم في الحالات المنصوص عليها في المادة 58.

وهي حالات عاقبت عليها المـواد 63 و64 و65 بالغرامة التي تتراوح بين  10.000 ومليون درهم.

المطلب الثالث : المسؤولية الجنائية للمخالف :

    المقصود بالمسؤولية الجنائية، الأثر القانوني المترتب عن الجريمة والتي تقوم على تحمل الفاعل للجزاء الذي تفرضه القواعد القانونية الجنائية بسبب خرقه للأحكام التي تقررها هذه القواعد.

–    فالمسؤولية الجنائية تعني تحمل نتائج ما ترتب عن الفعل المجرم. ويمكن تصورها في القيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل جرمه القانون مما تسبب في إلحاق ضرر بالمجتمع ؛

–     وقد عدد المشرع المغربي الوقائع التي ترتب المسؤولية الجنائية وذلك في الفصل 132 من القانون الجنائي الذي جاء فيه أن :

–         كل شخص سليم العقل قادر على التمييز يكون مسؤولا شخصيا عن :

ü    الجرائم التي يرتكبها ؛

ü    الجنايات أو الجنح التي يكون مشاركا في ارتكابها ؛

ü    محاولات الجنايات ؛

ü    محاولات بعض الجنح ضمن الشروط المقررة في القانون….

–    وفي إطار تحديد المسؤولية الجنائية في مجال التعمير، يتعين التمييز بين مسؤولية الشخص المخالف ومسؤولية الجهات المكلفة بضبط مخالفات التعمير ومسؤولية المشرفين على الأشغال أو البناء.

أولا:  المسؤولية الجنائية للشخص المخالف :

يعتبر مخالفا كل شخص ثبتت في حقه إحدى حالات التجريم المنصوص عليها سواء في قانون التعمير أو في قانون التجزئات العقارية، مما يرتب مسؤوليته الجنائية التي تؤدي إلى الحكم عليه بالعقوبات المنصوص عليها في قوانين التعمير، ما لم يثبت في حقه ارتكاب أفعال يجرمها المشرع بمقتضى القانون الجنائي كالإرتشاء أو التوصل أو محاولة التوصل بغير حق إلى تسلم إحدى الرخص عن طريق الإدلاء ببيانات غير صحيحة أو استعمال وثيقة مزورة وغيرها…

ثانيا: مسؤولية الجهات المكلفة بضبط مخالفات التعمير :

حددت قوانين التعمير الأشخاص المكلفين بمعاينة المخالفات المتعــلقة بها، وهم :

–    ضباط الشرطة القضائية، ويدخل ضمنهم رجال الأمن الوطني والدرك الملكي الذين يحملون صفة ضابط الشرطة القضائية حسب مفهوم المادة 19 من قانون المسطرة الجنائية، والباشوات والقواد ؛

–    موظفو الجماعات المكلفون بمراقبة المباني أو المفوض لهم بذلك من طرف رؤساء الجماعات المحلية : ويدخل ضمنهم المهندسون والمهندسون المعماريون والتقنيون وكل موظف بالجماعة يعتمده رئيس مجلس الجماعة لذلك ؛

–         الموظفون التابعون لإدارة التعمير والمكلفون بهذه المهمة [3].

–    موظفو الدولة الذين يعتمدهم الوزير الكلف بالتعمير للقيام بهذه المأمورية، أو كل خبير أو مهندس معماري، كلف بهذه المهمة بصفة استثنائية من طرف رئيس مجلس الجماعة المعنية أو إدارة التعمير.

والملاحظ أن المشرع المغربي جعل ضباط الشرطة القضائية ومن ضمنهم الباشوات والقواد وضباط الشرطة القضائية المنتمين لجهازي الأمن الوطني والدرك الملكي، في قائمة الأشخاص والجهات المكلفة بضبط مخالفات قوانين التعمير، وذلك حتى لا يترك المجال للجهات الأخرى التي لها ارتباط بالبناء والتعمير، وحدها القيام بمهمة ضبط المخالفات المتعلقة بالتعمير والبناء والتجزئات.

– إن الجهات المكلفة بضبط مخالفات قوانين التعمير، تكون مسؤولة جنائيا في حالة تقصيرها أو تغاضيها عن القيام بمهامها. فقد نص الفصل 250 من القانون الجنائي على معاقبة كل موظف عام تولى استغلال نفوذه أو وضعيته الإدارية لتمكين الغير من الاستفادة والحصول على امتياز، بجريمة استغلال النفوذ. وهي جنحة يعاقب عليها بالحبس من 4 سنوات إلى 10 سنوات. دون الإشارة إلى جريمة الارتشاء في حالة ثبوت طلب أو قبول عرض أو وعد أو تسلم هبة أو هدية أو أية فائدة أخرى من أجل التغاضي عن تسجيل المخالفة المرتكبة.

ثالثا:- مسؤولية المشرفين على الأشغال أو البناء :

يعتبر بمقتضى المادتين 76 من قانون التعمير و67 من قانون التجزئات العقارية رب العمل والمقاول الذي قام بالأشغال والمهندس المعماري والمهندس المختص أو المشرف الذين صدرت منهم أوامر نتجت عنها المخالفة، مشاركا للمخالف، وتترتب مسؤوليته الجنائية نتيجة ذلك. وهو مقتضى جديد للمشارك حسب قوانين التعمير يضاف إلى المشارك الذي نص عليه الفصل 129 من القانون الجنائي[4].

–    من الملاحظات التي تؤاخذ عليها قوانين التعمير أنها لم تكن واضحة بخصوص مسؤولية رئيس المجلس الجماعي أو رئيس مجلس المدينة الذي أصبح يتولى مهاما كبيرة و واسعة خاصة في المدن الكبرى، التي تتأثر أكثر من غيرها في حالة تفشي ظاهرة البناء بدون ترخيص أو القيام بتجزئات غير قانونية، وتغاضي رئيس مجلس المدينة عن ضبط المخالفات وإشعار المسؤولين المحليين من عمال و ولاة بذلك.

–    لذلك يمكن أن تثار مسؤولية رئيس المجلس الجماعي أو رئيس مجلس المدينة ومساءلته جنائيا كفاعل أصلي عندما يتولى تسليم رخصة بناء لا تتوفر فيها الشروط القانونية، طبقا لمقتضيات الفقرة 2 من الفصل 361 من القانون الجنائي التي نصت على أن الموظف الذي يسلم أو يأمر بتسليم وثيقة تصدرها الإدارة العامة أو يمنح ترخيصا لشخص يعلم أنه لا حق له فيه، يعاقب بالحبس من سنة إلى 4 سنوات وبغرامة من 250 إلى 2500 درهم، ما لم يكون فعله جريمة أشد، أي جريمة الارتشاء طبقا للفصل 248 من القانون الجنائي أو جريمة استغلال النفوذ طبقا للفصل 250 من القانون الجنائي، عند توافر شروطهما.

–    كما قد يتعرض رئيس المجلس الجماعي أو رئيس مجلس المدينة إلى الحكم بالحرمان من الحقوق الوطنية أو المدنية أو العائلية من 5 إلى 10 سنوات.

–    إذ ثبت أنه سلم ترخيصا لا يستوفي الشروط أو دون استشارة الجهات المعنية التي ألزم مرسوم 12 أكتوبر 1993 استشارتها[5]، اعتبر مرتكبا لجريمة التزوير إضرارا بالخزينة العامة أو بالغير، ويعاقب حسب الفصل 367 من القانون الجنائي، باعتباره مرتكبا لجناية التزوير في المحررات العامة أو الرسمية أو مرتكبا لجنحة التزوير في محرر خاص.

–         كما يمكن أن تثار مسؤولية رئيس المجلس الجماعي أو رئيس مجلس المدينة بصفته مشاركا في المخالفات المرتكبة، إذا ثبت تغاضيه عن معاينة المخالفات وإثباتها وعن تقديم الشكايات ضد المخالفين أمام النيابة العامة وعدم قيامه بإشعار العامل المختص بهذه المخالفات، مما شجع المخالفين على التمادي في المخالفات وتشييد مدن ومناطق آهلة بالسكان الذين يقطنون منازل عبارة عن صناديق إسمنتية.

لذلك نجد الفصل 129 من القانون الجنائي يعتبر من حرض على ارتكاب الفعل المجرم عن طريق إساءة استغلال السلطة أو الولاية، مشاركا في الجريمة :

– والتحريض يمكن تصوره في صورة التصرف الإيجابي، كما يمكن تصوره في صورة التصرف السلبي من خلال التغاضي عن ضبط المخالفات والتشجيع على إيواء المخالفين أو تسليم رخص غير قانونية، وغيرها من التصرفات السلبية ؛

–    ومسؤولية رئيس المجلس الجماعي أو رئيس مجلس المدينة كشريك للمخالف الذي خالف المقتضيات القانونية بحصوله على ترخيص غير قانوني أو ارتكابه إحدى الأفعال المخالفة لقوانين التعمير، تجعله يعاقب بالعقوبة التي قررها القانون لهذه الجنح ؛

ولابد من الإشارة إلى أنه في حالة ضبط المخالفة من طرف إحدى الجهات المختصة، نميز بين ضبطها في إطار قانون التعمير وبين ضبطها في إطار قانون التجزئات العقارية لتحديد بعض أوجه المسؤولية الجنائي.

المبحث الثاني : إجراءات مراقبة وزجر انتهاكات المجال العمراني

المطلب الأول: مسطرة معاينة المخالفة

كرست النصوص القانونية المنظمة لزجر المخالفات في مجال التعمير، خاصية الازدواجية في مسطرة المراقبة والتعدد في المتدخلين المكلفين بالزجر، وسنتناول تباعا إجراءات المسطرة الإدارية والمسطرة القضائية.

أولا: : المسطرة الإدارية

تتكون المسطرة الإدارية من إجراءات تتعلق بمعاينة الخروقات وإتباثها وأخرى تتعلق بالتدخل الإداري لزجرها وإنهائها.

1-    معاينة وإتباث انتهاكات المجال العمراني :

لمعاينة وإتباث انتهاكات المجال العمراني تم تحديد نوعين من الأجهزة، بمقتضى المادة 64 من قانون 12.90 المتعلق بالتعمير والمادة 66 من قانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، وكذا بموجب المادة 20 من قانون 22.01 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.255 بتاريخ 25 من رجب 1423 (3 أكتوبر 2009) المتعلق بالمسطرة الجنائية، كما تم تغييره وتتميمه. وهذه الأجهزة هي كما يلي:

  • ضباط الشرطة القضائية :

وهي أجهزة ذات ولاية عامة تم تحديد اختصاصاتها بالمواد من 18 إلى 24 ومن 56 إلى 77 من قانون المسطرة الجنائية، غير أن المشكل بالنسبة لهذا النوع من الأجهزة يكمن في أنها مجرد إمكانية وصلاحية نظرية تبدو غير مفعلة في مجال مراقبة خروقات التعمير، وذلك على الأقل قبل أن تصدر بعض الدوريات السابق الإشارة إليها، ومنها الدورية المشتركة عدد 2911 بتاريخ 12 ماي 2008 حول تقعيل المقتضيات القانونية المتعلقة بمراقبة التعمير والبناء.

  • المأمورون المكلفون بمعاينة الخروقات :

انسجاما مع المادة 19 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على إسناد بعض مهام الشرطة القضائية إلى بعض موظفي وأعوان الإدارات والمرافق العمومية، على أن تتولى نصوص خاصة تنظيم ممارستهم لاختصاصاتهم وتبين شروط ذلك وحدوده، فقد خولت كل من المادة 64 من قانون 12.90 المتعلق بالتعمير والمادة 66 من قانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات مهام معاينة المخالفات إلى مجموعة من العناصر هي :

–         موظفو الجماعات المكلفون بمراقبة المباني أو المفوض لهم بذلك من طرف رؤساء المجالس الجماعية ؛

–         الموظفون التابعون لإدارة التعمير والمكلفون بهذه المهمة ؛

–         موظفو الدولة المعتمدين من طرف الوزير المكلف بالتعمير للقيام بهذه المأمورية ؛

–         كل خبير أو مهندس معماري مكلف بصفة استثنائية من طرف رئيس مجلس الجماعة أو إدارة التعمير.

كما تقضي مختلف القوانين المحدثة للوكالات الحضرية على إحداث هيئة مأمورين تابعين لهذه المؤسسات.

ومن شأن إقحام عناصر بعيدة عن القطاع في معاينة خروقات التعمير أن يطرح عدة مشاكل، بعضها تقني والآخر مرتبط بالفعالية والحماس المطلوبين خصوصا في ظل تبعيتهم إداريا لسلطة رئاسية غير التي يمارسون اختصاصات المراقبة تحت مسؤوليتها، إضافة إلى ما يمكن أن يثار من إشكالات بمناسبة منازعات الإلغاء والمسؤولية الإدارية.

ومن جهة أخرى، فإن من شأن تعدد مراجع مزاولة هذه المهام، أن ينعكس بشكل سلبي على ضمانات الحماية القانونية للعناصر المكلفة بالمراقبة خصوصا وأنها تضطر إلى دخول أوراش البناء وتبقى في نظر بعض العامة غير مرغوب فيها.

هذا ويعهد إلى أجهزة معاينة انتهاكات المجال العمراني القيام على الخصوص بما يلي :

–          تحرير محاضر المخالفات المرتكبة والمعاينة وفقا لشكليات ومضامين محددة ؛

–    توجيه هذه المحاضر إلى كل من العامل ورئيس المجلس الجماعي ومرتكب المخالفة بالنسبة لمخالفات البناء، وإلى نفس هذه الجهات بالإضافة إلى السيد وكيل الملك فيما يخص الخروقات المتعلقة بالتجزئات.

القوة الثبوتية للمحضر:

لم يبين المشرع، القوة الثبوتية للمحاضر التي يتم تحريرها بشأن معاينة الجرائم المتعلقة بالمجال العمراني.

وطبقا للمبادئ العامة، المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية، فإن المحاضر المحررة من طرف ضباط الشرطة القضائية بشأن التثبت من الجنح والمخالفات، ومن بينها الجرائم المتعلقة بالمجال العمراني يوثق بمضمنها إلى أن يثبت العكس بأي وسيلة من وسائل الإثبات. (المادة 290 قانون المسطرة الجنائية).

ويقصد بمضمن المحضر، الوقائع التي شهد ضابط الشرطة القضائية بمعاينتها أو بحدوثها أمامه.

كما أن القانون، لم يحدد وسائل معينة لإثبات ما يخالف محضر البحث التمهيدي، ولذلك يمكن تحقيق هذا الإثبات بأية وسيلة، كشهادة الشهود والقرائن والخبرة، ولكن لا يقبل لمخالفتها الادعاء المجرد الغير المعزز بوسائل إثبات تقنع المحكمة أو على الأقل تجعلها ترتاب في صحة ما ضمن في المحضر.

أما باقي المحاضر المحررة من طرف باقي الأشخاص الذين لهم الصفة في تحرير محاضر معاينة الجرائم المتعلقة بالمجال العمراني ، فإن القانون رقم 90-12 وكذا القانون رقم 25.90 قد سكت عن القوة الثبوتية لما جاء في مضمنها ومدى إمكانية الطعن فيها بالزور وإثبات ما يخالفها. وذلك خلافا لما نص عليه صراحة المشرع المغربي بالنسبة للمحاضر المحررة في إطار ظهير 10 أكتوبر 1917 المتعلق بالمحافظة على الغابات وظهير 23 نونبر 1973 المتعلق بقانون الصيد البحري وظهير 9 أكتوبر 1977 المتعلق بمدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة.

وقد دأبت بعض الأحكام القضائية إلى وصف “محاضر المعاينة” المحررة من قبل الأعوان المكلفين بمراقبة المباني بشأن التثبت من مخالفات التعمير بأنها محاضر يوثق بمضمنها ما لم يطعن فيها بالزور على الرغم من غياب نص قانوني صريح يعطي لها هذه القوة الثبوتية. وتكون باتجاهها هذا قد أنزلت المحاضر المحررة من قبل الأعوان المكلفين بمراقبة المباني منزلة المحاضر المحررة من قبل ضباط الشرطة القضائية. فقد جاء في إحدى الأحكام القضائية: “وحيث إن المحاضر المنجزة من طرف الموظفين الذين عهد لهم القانون بالتثبت من الجنح والمخالفات يوثق بمضمنه ما لم يطعن فيه بالزور.

وحيث إن محاضر الضابطة القضائية يوثق بمضمنها ما لم يثبت ما يخالفها[6]“.

وفي حكم آخر: “وحيث إن المحاضر المنجزة من طرف أعوان مصلحة التصميم يوثق بمضمنها ولا يمكن الطعن فيها إلا بالزور[7]“.

وفي آخر : ” … وعند استجواب الظنينة من طرف الضابطة القضائية، اعترفت ببناء محل للسكنى … بدون حصولها على رخصة من قبل الجماعة.

وحيث إن محاضر الضابطة القضائية يوثق بمضمنها ما لم يثبت ما يخالفها[8]“.

وقد كان حريا على المشرع، أن يحدد لنا بنص صريح القوة الثبوتية لمحاضر معاينة مخالفة البناء بدون رخصة وغيرها من مخالفات التعمير، ومدى إمكانية الطعن فيها، كما فعل في باقي الجرائم المنصوص عليها بمقتضى نصوص خاصة

المطلب الثاني: زجر انتهاكات المجال العمراني : 

تدعيما لمراقبة المجال العمراني قسم المشرع مسؤولية الزجر بين رئيس المجلس الجماعي والعامل، كل فيما يخصه.

  • مسؤولية رئيس المجلس الجماعي :

يتـولى رئيس المجلس الجماعي في زجر انتهاكات المجال العمراني القيام بما يلي:

–         إصدار الأمر بإيقاف الأشغال المخالفة التي في طور الإنجاز؛

–    توجيه إعذار بوقف الأشغال المخالفة فيما يخص مخالفات الأشغال التي يمكن تداركها ولا تشكل إخـلالا خـطيرا لضوابط البناء والتعمير، وذلك في أجل لا يقل عن 15 يوم ولا يتجـاوز 30 يوما ؛

–    إيداع شكاية لدى السيد وكيل الملك، قصد تحريك المتابعة القضائية وسحب هذه الشكاية للتخلي عن المتابعة عند امتثال المخالف ؛

–         إحاطة السيد العامل بجميع الإجراءات والتدابير التي يقوم بها في ميدان زجر انتهاكات المجال العمراني.

  • مسؤولية العامل في ميدان الزجر الإداري :

يتولى العامل مهمة توقيع بعض الجزاءات الإدارية التالية :

–         الأمـر بهدم البناء المخالف أو إعادة حالة الأرض موضوع تجهيز إلى ما كانت عليه داخل أجل محدد ؛

–         الأمر بالهدم تلقائيا وعلى نفقة المخالف وذلك :

  • عند عدم امتثال المخالف للأوامر الصادرة له إما من رئيس المجلس أو العامل سواء بإيقاف الأشغال أو بهدم البناء أو التجهيز المخالف ؛

  • في الحالة التي تشكل فيها المخالفة خطورة كبيرة كالبناء بدون رخصة أو البناء في منطقة غير قابلة للبناء، وذلك بعد إيداع الشكوى ونسخة من الإعذار من طرف رئيس المجلس لدى وكيل الملك المختص.

–    القيام تلقائيا بهدم كل بناء أقيم على ملك من الأملاك العامة، على نفقة المخالف بدون التقيد بأي من الشكليات المشار إليها.

أولا : المسطرة القضائية.

لا يحول انتهاء المخالفة سواء بفعل تدخل السلطة الإدارية أو بتراجع مرتكب المخالفة، دون إجراء المتابعة ولا يترتب على ذلك انقضاؤها إذا كانت جارية[9]، وذلك وفقا للمادة 71 من قانون 25.90 والمادة 70 من قانون 12.90.

لذلك هناك مجموعة من الإجراءات التي  تهدف إلى توفير حماية جنائية للمجال العمراني، وضمانات قانونية للمواطنين، وتتكون أساسا من :

–         ضرورة تحرير محضر معاينة وفقا للشكليات والمعطيات المطلوبة ؛

–    إيداع شكوى لدى النيابة العامة من طرف رئيس المجلس الجماعي مرفقة بإعذار فيما يخص مخالفات أحكام القانون 12.90؛

–    التخلي عن المتابعة في حالة سحب الشكوى عند امتثال المخالف للأوامر الصادرة عن رئيس المجلس بالنسبة للمخالفات التي يتم تداركها ؛

–         توقيع جزاءات جنائية تتضمن فرض غرامات مالية والحكم بهدم البناء والأشغال المخالفة.

هذا ويحكم بضم الغرامات عند تعدد الانتهاكات[10]وبمضاعفتها عند حالات العود[11].

غير أن الممارسة أثبتت وجود صعوبات بالغة تؤثر على سير وفعالية تطبيق هذه المسطرة وتؤدي إلى عدة نتائج تؤثر سلبا على سير هذه المسطرة، خصوصا إذا ما أضيفت إلى جملة من الإكراهات الميدانية.

المطلب الثالث: طبيعة الجريمة في قانون التعمير:

تحديد مفهوم الركن المادي لجريمة البناء بدون رخصة

لابد في كل جريمة من كيان مادي يعبر عن حقيقتها المادية. وهذا الكيان لا يظهر في العالم الخارجي، ولا يكون له وجود فيه، إلا بقيام الشخص بأفعال مادية محسوسة، نص القانون على تجريمها[12].

وعلى هذا الأساس، فإن الركن المادي للجريمة يتكون من ثلاثة عناصر:سلوك صادر عن الجاني، نتيجة يحققها هذا السلوك وعلاقة سببية تربط السلوك بالنتيجة.

والركن المادي في جريمة البناء بدون رخصة،  يتكون من عنصرين : إقامة أعمال بنائية وعدم الحصول على رخصة[13].

فتحديد الأعمال الخاضعة لرخصة البناء مسألة أساسية ودقيقة في نفس الوقت، فهي أساسية، لأن بهذا التحديد سيتسنى لكل راغب في القيام بأي صنف من أصناف البناء، معرفة -مسبقا- ما إذا كان عمله يستلزم ضرورة الحصول على رخصة البناء. وبالتالي يخضع لكل المقتضيات القانونية المنظمة للأبنية، أم أن الأمر ليس كذلك. وبالتالي فهو معفى من كل ما سبق ذكره. وهي مسألة دقيقة لأن المشرع لم يحدد نوعية الأشغال والأعمال الخاضعة لرخصة البناء، الأمر الذي سيخلق معه اضطرابا واختلافا في الرأي[14].

فالمشرع المغربي، نص في المادة 40 من قانون التعمير على أنه: “يمنع القيام بالبناء دون الحصول على رخصة لمباشرة ذلك ……”. وفي الفقرة الأخيرة من نفس المادة، يؤكد المشرع على أنه : “يجب الحصول على رخصة البناء كذلك في حالة إدخال تغييرات على المباني القائمة إذا كانت التغييرات المزمع إدخالها عليها تتعلق بالعناصر المنصوص عليها في الضوابط المعمول بها.”

كما نص في الفصل 7 من ظهير 25 يونيو 1960 المتعلق بتوسيع نطاق العمارات القروية على أنه:”يمنع في العمارات القروية المتوفرة على تصميم خاص بتوسيع نطاقها تشييد أية بناية دون الحصول على إذن بالبناء ……”.

وتبعا لذلك، يمكن القول أن مصطلح البناء ومصطلح التغييرات اللذين استعملهما المشرع في قانون التعمير مصطلحين مرنين ومطاطيين، يدخل في جعبتهما كل عمليات البناء الممكن تصورها: إنشاء مباني جديدة، إحداث تغييرات، أعمال التوسيع، أعمال التعلية، أعمال الترميم وكذلك أعمال الهدم[15].

وقد استقر الفقه على أن “البناء هو كيان متماسك من صنع الإنسان، متصل بالأرض اتصال قرار”. ويستوي أن يكون البناء معدا لسكن الإنسان، أو إيواء حيوان، أو إيداع أشياء، بل قد لا يكون البناء معدا لشيء من ذلك، فالحائط المقام بين حدين بناء، ويستوي كذلك المواد المستخدمة في البناء، طالما تحقق لها عنصرا التعريف المذكور، سواء كانت بالحجارة أو الطوب أو الإسمنت أو غيرها من المواد …..

وقد أتيحت الفرصة للقضاء المصري لإعطاء تعريف للبناء فقضى : “المراد بالمبنى في خصوص تنظيم وهدم المباني، كل عقار مبني يكون محلا للإنتفاع والإستغلال أيا كان نوعه، ……….. ولما كان الحكم المطعون فيه لم يستظهر بداءة، ما إذا كان هناك بناء بالمعنى الذي عناه القانون بالدور الثاني، وما إذا كان الطاعن أزاله كله أو بعضه، وكان هدم السور وبعض الحوائط لا يتحقق به هذا المعنى، فإنه يكون معيبا بالإخلال بحق الدفاع والقصور”.

وتبعا لما سبق، لا يدخل في حكم البناء المنشآت أيا كانت صفتها أو أوجه استعمالاتها التي تقام من الخشب أو الزجاج، إذ لا تعد تلك المنشآت قانونا من المباني، ولا ينطبق عليها وصف البناء.

وتأخذ الأعمال البنائية صورا متعددة : إنشاء البناء لأول مرة  أو توسيعه أو تعليته أو ترميمه أو إحداث تغييرات تمس بضوابطه وهدمه، هذه الأعمال  يحظر القيام بها دون الحصول على رخصة من الجهة المكلفة بالتعمير.

* إنشاء البناء : هو إحداث بناء لم يكن موجودا من قبل كله أو بعضه، سواء اتخذ الصورة النهائية المراد من إقامته للإنتفاع به، أو لم يتخذ تلك الصورة بعد، كإقامة الأساسات للبناء فقط.

* توسيع البناء : يقصد بتوسيع البناء، زيادة مساحة المباني القائمة بالفعل، وذلك بإضافة مساحات جديدة إلى حيز البناء القائم من قبل، فيؤدي إلى توسيع المساحة المبنية عن المساحة الأصلية.

* إحداث تغييرات : سواء عن طريق البناء أو الهدم في بناء قائم بالفعل، على نحو يغير من معالم البناء الأصلية ويمس ضوابط البناء.

 تعلية البناء : يقصد بالتعلية، الارتفاع بالبناء بإقامة مبان جديدة فوق المباني القائمة، ويكون ذلك بزيادة عدة طوابق بالمبنى القائم، قل عددها أو كثر.

 ترميم البناء : يقصد به إصلاح الأجزاء المعيبة من المبنى وملحقاته، سواء كان هذا العيب نتيجة خطأ في الاستعمال، أو نتيجة تلف لكثرة الاستعمال، أو بسبب ما يتطلبه الاستعمال العادي.

هدم البناء : هو إزالة البناء كله أو بعضه، على نحو يفقد معه المبنى المهدوم صلاحيته للإستعمال أو للإنتفاع به.

وكيفما كان الحال، فإنه يجوز للمتهم في جريمة البناء بدون رخصة، الدفع بعدم انطباق وصف “البناء” الذي قصده المشرع على ما أتاه من أعمال موضوع المتابعة.

رابعا:إلغاء الترخيص الضمني

أقر المشرع الرخصة الضمنية للبناء عندما نص في المادة 48 من قانون التعمير على أنه : “في حالة سكوت رئيس مجلس الجماعة تعتبر رخصة البناء مسلمة عند انقضاء شهرين من تاريخ إيداع طلب الحصول عليها”.

الملاحظ هذا المقتضى استغل بذهاء من طرف بعض رؤساء الجماعات المحلية وخاصة لاعتبارات انتخابية، حيث يتم الاتفاق مع طالب رخصة البناء في عقار لا يسمح القانون القيام فيه بأعمال بنائية بأن طلبه لن يبت فيه لا بالموافقة ولا بالرفض الصريحين، وذلك من أجل تمكينه من تطببيق هذا المقتضى واعتبار هذا السكوت بمثابة رخصة ضمنية للبناء، ليبدأ في الأشغال دون مراعاة لضوابط البناء. الأمر الذي يتعين معه جعل سكوت رئيس المجلس الجماعي بمثابة رفض ضمني تفاديا لكل تحايل في استعمال الترخيص الضمني. مع تحريك مسطرة الحلول محل رؤساء المجالس الجماعية المتقاعسين عن القيام بواجبهم وذلك تطبيقا لأحكام المادة 77 من الميثاق الجماعي.

سادسا: مراجعة العقوبة

1- تفريد العقاب تبعا لخطورة الأفعال

عاقب المشرع في المادة 71 من قانون التعمير بغرامة من 10.000 إلى 100.000 درهم :

كل من باشر بناء من غير الحصول على رخصة البناء بكيفية صريحة أو ضمنية؛

كل حاصل على رخصة بناء يقوم بتشييد بناء خلافا للرخصة المسلمة له، وذلك بتغيير العلو المسموح به أو الأحجام أو المواقع المأذون فيها أو المساحة المباح بناؤها أو الغرض المخصـص له البناء ؛

–        كل من ارتكب فعلا من الأفعال المحظورة المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 34[16].

وهكذا، يتبين أن العقوبة هي نفسها أي غرامة من 10.000 إلى 100.000 درهم بالنسبة لأفعال مختلفة ودون تقدير لخطورتها وأثرها السلبي على المجال العمراني، حيث أن المقتضيات الزجرية لم تميز في العقوبة بين البناء بدون رخصة و البناء بدون احترام مقتضيات الرخصة وبين إحداث تغييرات بسيطة وإحداث تغييرات جوهرية، وبين إضافة طابق واحد و أكثر.

لذا، يقترح مراعاة هذه الخطورة والتنصيص على عقوبات مختلفة.

2- تشديد العقوبة

         يتعين تشديد العقوبة عند مباشرة أشغال البناء أو الهدم بدون رخصة ليلا أو خلال أيام العطل. وهنا نتذكر كلمة الراحل الملك الحسن الثاني قدس الله روحه، التي رد بها على العامل السابق لعمالة فاس السيد المهدي لمراني : “يلزمني إذن أن أعين عاملا بالنهار وآخر بالليل” حينما استنجد العامل بكون البناء العشوائي يشيد ليلا والتي أوشكت الالتصاق بقصر أحد الأمراء الخليجيين بفاس[17].

3- المنع من مزاولة المهنة:

         في حالة الحكم بالإدانة على المهندس المعماري والمهندس المختص والمهندس المساح الطبوغرافي باعتبارهم شركاء في ارتكاب مخالفة لضوابط العمران، فيجوز للمحكمة أن تحكم بمنعهم من مزاولة المهنة لمدة مؤقتة.

4- الحرمان من الصفقات العمومية:

         في حالة الحكم بالإدانة على المقاول الذي نفذ الأشغال باعتباره شريكا في ارتكاب مخالفة لضوابط التعمير والبناء، فيجوز للمحكمة أن تحكم بحرمانه من المشاركة في الصفقات العمومية كعقوبة إضافية.

سابعا:التمييز بين المشاركة والمساهمة

إن جريمة البناء بدون رخصة، إما أن يتم تنفيذها من طرف فاعل واحد، فيسمى فاعلا أصليا لها، وإما أن يتم التنفيذ المادي للجريمة من طرف عدة فاعلين، فنكون أمام عدة مساهمين[18].

وفي حالة أخرى، يقوم بالتنفيذ المادي للجريمة بعض الجناة (مساهمون) أو أحدهم (فاعل أصلي). أما الباقون فيقتصر دورهم على توجيه الأوامر، التي نتجت عنها جريمة البناء بدون رخصة، أي أنهم يقومون بأعمال ثانوية، لا تصل إلى مرتبة القيام بكل أو بعض أفعال التنفيذ المادي للجريمة، وبالتالي لا تعتبر مشكلة لوقائع الجريمة بحسب التعريف القانوني لها. وهي الحالة التي عبر عنها المشرع بالمشاركة في الجريمة[19].

وتنص المادة 76 من قانون 12.90 على أنه :”يعد شريكا لمرتكب مخالفة لهذا القانون ولضوابط التعمير أو البناء العامة أو الجماعية، رب العمل والمقاول الذي نفذ الأشغال والمهندس المعماري والمهندس المختص أو المشرف، الذين صدرت منهم أوامر نتجت عنها المخالفة.”

ومما سبق يتبين، أن المشرع جعل المشاركة في جرائم التعمير الواردة في القانون 12.90 قاصرة على بعض الأشخاص من ذوي الصفة من جهة ومحصورة في سلوك معين من جهة أخرى.

فالأشخاص الذين يتصور أن يكونوا محل مشاركة في جرائم التعمير، محددين على سبيل الحصر، في :

1- رب العمل ؛

2 – المقاول الذي نفد الأشغال ؛

3- المهندس المعماري ؛

4- المهندس المختص ؛

5- المشرف.

أما وسيلة الاشتراك في جريمة البناء بدون رخصة، فهي محددة في سلوك واحد، يتمثل في صدور الأوامر من طرف الأشخاص المذكورين أعلاه، وأن تكون هذه الأوامر هي التي أدت إلى وقوع النتيجة الإجرامية.

خاتمــــــــــــــــــة

لقد حان الأوان لجعل الدعوى العمومية في جرائم التعمير حقا للنيابة العامة تمارسها بكل حرية وفق ما تقتضيه المصلحة العامة.

– جعل رخصة البناء لازمة في جميع تراب المملكة وبدون تمييز، مع اختلاف في قيمة الرسوم والضرائب الواجب أداؤها، بحسب الأهمية العمرانية والاجتماعية والاقتصادية لكل جهة من جهات المملكة ؛

   – جعل مسطرة الحصول على رخصة البناء مسطرة سهلة ومرنة وسريعة، لأن المسطرة الحالية غير واضحة المعالم وتميل إلى التعقيد، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تنامي ظاهرة البناء العشوائي ؛

– عدم توحيد الأجل (آجل الشهرين) لدراسة والبت في طلب رخصة البناء، بل يتعين وضع آجالات مختلفة تختلف باختلاف المشاريع والأعمال البنائية المزمع إنجازها،ويقترح أجل 15 يوما بالنسبة للأعمال البنائية البسيطة، أجل 30 يوما بالنسبة للأعمال البنائية المتوسطة، وأجل 60 يوما بالنسبة للأعمال البنائية الكبيرة ؛

   – جعل التأمين إجباري، للحصول على رخصة البناء، بالنسبة للأعمال البنائية التي لا تقل قيمتها عن مبلغ معين تحدده الوزارة المكلفة بالتعمير بتنسيق مع الوزارة المكلفة بالمالية،  وذلك من أجل تغطية المسؤولية المدنية للمهندس المعماري والمهندس المختص والمقاول عن الأضرار الناتجة عن تنفيذ أعمالهم ؛

– تحديد مضمون رخصة البناء والمقتضيات الواردة فيها ؛

  – النص تشريعيا، على أنه يتعين تجديد طلب رخصة البناء عند سقوطها، وذلك بتقديم  المعني بالأمر لطلب التجديد إلى الإدارة المختصة، والتي يجب أن تتخذ قرارها داخل آجل محدد ؛

         – يجب على المرخص له إخطار كتابة الجهة الإدارية المختصة ببدء الأشغال والأعمال البنائية المرخص بها، وذلك عن طريق البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل ؛

– منح الصفة للمجالس البلدية وللوكالات الحضرية وللجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة في مجال حماية البيئة في الانتصاب كطرف مدني في القضايا المتعلقة بالعمران.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المصادر والمراجع:

النصوص القانونية:

_  ظهير 25 دجنبر 1980 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والتحف الفنية ،منشور بالجريدة الرسمية عدد 3564 بتاريخ 18 فبراير 1981؛

_ ظهير شريف رقم 31-92-1 صادر بتاريخ 17 يونيو 1992 بتنفيذ القانون رقم 90-12 المتعلق بالتعمير. منشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 15/07/1992.؛

_ ظهير شريف رقم 7-92-1 صادر بتاريخ 17 يونيو 1992 بتنفيذ القانون رقم 90-25 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات. منشور بالجريدة الرسمية عدد 4159 بتاريخ : 15/07/1992.؛

_ مرسوم رقم  833-92-2 صادر بتاريخ 12 أكتوبر 1993 لتطبيق القانون رقم 25-90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، منشور بالجريدة الرسمية عدد 4225 بتاريخ 20 أكتوبر 199

_  منشور صادر عن وزارة الداخلية رقم 288 بتاريخ 8 دجنبر 1989 المتضمن توجيهات لتطبيق القانون المتعلق بنظام الضرائب المستحقة للجماعات المحلية وهيئاتها؛

الأحكام القضائية:

_ حكم غير منشور، صادر عن المحكمة الابتدائية بأنفا، بتاريخ 20/12/1999، تحت عدد 4310، ملف عدد 1005/99؛

– حكم غير منشور، صادر عن المحكمة الابتدائية بأنفا، بتاريخ 20/12/1999، تحت عدد 4311، ملف عدد 1140/99؛

 

– حكم غير منشور، صادر عن المحكمة الابتدائية بأنفا، بتاريخ 20/12/1999، تحت عدد 4297، ملف عدد 12575/98.

المراجع المنشورة:

_ عبد الحكيم عبد الرسول محمود:  المرجع في شرح قانون المباني الجديد، الطبعة الأولى 1989،

 

_محمد بوجيدة: رخصة البناء، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، “دلائل التسيير”، الطبعة الأولى 1996، الصفحة 36.

_ عبود السراج: قانون العقوبات، القسم العام، منشورات جامعة حلب، كلية الحقوق، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، الصفحة 191؛

 

 

 

 

 

 

[1]  ظهير شريف رقم 31-92-1 صادر بتاريخ 17 يونيو 1992 بتنفيذ القانون رقم 90-12 المتعلق بالتعمير. منشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 15/07/1992.

3 ظهير شريف رقم 7-92-1 صادر بتاريخ 17 يونيو 1992 بتنفيذ القانون رقم 90-25 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات. منشور بالجريدة الرسمية عدد 4159 بتاريخ : 15/07/1992.

[3] عبد الرؤوف مهدي : المسؤولية عن الجرائم الاقتصادية ص 16.

انظر كذلك الدكتور عبد الواحد العلمي : المبادئ العامة للقانون الجنائي المغربي. ص9.

1 ميز المشرع بين الموظفين المخولين بالمعاينة حسب قانون التعمير 90-12 الذين أشارت إليهم المادة 64 بتعبير : “موظفو الجماعات المكلفون بمراقبة المباني أو المفوض لهم بذلك من طرف رؤساء الجماعات المحلية “وبين الموظفين المنوطة بهم معاينة المخالفات حسب قانون التجزئات العقارية 90-25 الذين أشارت إليهم المادة 66 بتغيير : موظفو الجماعة الحضرية أو القروية الذين يعتمدهم لذلك رئيس مجلس الجماعة المختصة.

[5] مرسوم رقم  833-92-2 صادر بتاريخ 12 أكتوبر 1993 لتطبيق القانون رقم 25-90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، منشور بالجريدة الرسمية عدد 4225 بتاريخ 20 أكتوبر 1993

 

[6] – حكم غير منشور، صادر عن المحكمة الابتدائية بأنفا، بتاريخ 20/12/1999، تحت عدد 4310، ملف عدد 1005/99.

[7] – حكم غير منشور، صادر عن المحكمة الابتدائية بأنفا، بتاريخ 20/12/1999، تحت عدد 4311، ملف عدد 1140/99.

[8]– حكم غير منشور، صادر عن المحكمة الابتدائية بأنفا، بتاريخ 20/12/1999، تحت عدد 4297، ملف عدد 12575/98.

[9]  المادة 71 من القانون رقم 25.90 والمادة 70 من القانون رقم 12.90

[10]  المادة 69 من القانون رقم 25.90 والمادة 78 من القانون رقم 12.90

[11]  المادة 70 من القانون رقم 25.90 والمادة 79من القانون رقم 12.90

[12]عبود السراج: قانون العقوبات، القسم العام، منشورات جامعة حلب، كلية الحقوق، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، الصفحة 191 وما يليها.

[13]عبد الحكيم عبد الرسول محمود:  المرجع في شرح قانون المباني الجديد، الطبعة الأولى 1989، الصفحة 184 وما يليها.

[14] – أوضح منشور صادر عن وزارة الداخلية رقم 288 بتاريخ 8 دجنبر 1989 المتضمن توجيهات لتطبيق القانون المتعلق بنظام الضرائب المستحقة للجماعات المحلية وهيئاتها، بأن المقصود من عمليات البناء، “كل بناء تم على أرض غير مبنية والذي يجب أن يثبت على الأرض بواسطة أساس مبني بالحجارة أو الإسمنت، والذي لا يمكن تحويله بدون هدمه.

أما عمليات إعادة البناء فيراد بها كل عملية تتعلق ببناء جديد في عمارة وقع هدمها جزئيا أو كليا.

أما بخصوص عمليات التوسيع فإنها تهم التغيير الذي يتعلق بكل تحويل يهدف إضافة بناء إلى محل موجود،  كبناء طابق إضافي إلى عمارة.

وأخيرا، فإن عمليات الترميم تعني جميع الأشغال المتعلقة بالإصلاح أو الترميم المنجزة قصد استصلاح عقار أو جزء منه، بدون أن يكون هناك هدم، والذي يتطلب رخصة البناء كترميم واجهة أو سقف“.

 محمد بوجيدة: رخصة البناء، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، “دلائل التسيير”، الطبعة الأولى 1996، الصفحة 36.

[15] – حماية لمعالمنا التاريخية أصدر المشرع ظهير 25 دجنبر 1980 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والتحف الفنية ،منشور بالجريدة الرسمية عدد 3564 بتاريخ 18 فبراير 1981، والذي قيد عملية البناء حيث : – لا يجوز ترميم العقار المرتب أو تغييره إلا بعد الحصول على رخصة إدارية (الفصل 21). – لا يجوز إنجاز أي بناء جديد في عقار مرتب دون الحصول على رخصة إدارية لذلك (الفصل 22).

[16]  تنص المادة 34 من قانون التعمير:”تعتبر قرارات تخطيط حدود الطرق العامة بمثابة إعلان بأن المنفعة العامة تقضي بإنجاز العمليات المنصوص عليها فيها، ويستمر مفعولها طوال عشر سنوات، وتقتصر هذه المدة سنتين فقط فيما يتعلق بقرارات تخطيط حدود الطرق العامة المعنية فيها الأراضي المراد نزع ملكيتها لما تستوجبه العملية.

وابتداء من تاريخ نشر قرار تخطيط حدود الطرق العامة أو قرار تخطيط الطرق العامة المعينة فيه الأراضي المراد نزع ملكيتها لما تستوجب العملية، لا يجوز القيام في الأراضي التي يشملها الطريق بمقتضى الخريطة المنصوص عليها في المادة 32 أعلاه بأي بناء جديد أو تعلية أو توطئة للأرض يكون من شأنها تغيير حالتها، ولا يجوز أن تباشر في المباني القائمة في الأراضي الآنفة الذكر إلا الإصلاحات التي تقتضيها صيانتها بشرط أن يأذن في ذلك رئيس مجلس الجماعة وفق الإجراءات والشروط المقررة في الباب الثالث من هذا القانون.

بيد أن الأراضي التي تشملها قرارات لتخطيط حدود الطرق العامة لم تعين فيها الأراضي المراد ملكيتها لما تستوجبه العملية، يجوز أن تخصص بصورة مؤقتة لغرض غير الغرض المنصوص عليه في القرار بعد أن يأذن في ذلك رئيس مجلس الجماعة، ولا يجوز تسليم هذا الإذن إلا إذا كان الغرض الذي تخصص له الأرض مؤقتا لا يعوق إنجاز التجهيز المنصوص عليه في الخريطة المضافة إلى القرار.

ويجب في جميع الحالات على مالك الأرض، عند مباشرة إنجاز التجهيز الآنف الذكر، أن يعيد الأرض إلى الحالة التي كانت عليها فيما قبل.”

[17] – جريدة “الصحيفة”، العدد 63 الصادرة بتاريخ 18 – 24 دجنبر 1999.

[18] – ينص الفصل 128 من مجموعة القانون الجنائي: “يعتبر مساهما في الجريمة كل من ارتكب شخصيا عملا من أعمال التنفيذ المادي لها.”

[19] – ينص الفصل 129 من مجموعة القانون الجنائي: “يعتبر مشاركا في الجناية أو الجنحة من لم يساهم مباشرة في تنفيذها ولكنه أتى أحد الأفعال الآتية:

1- أمر بارتكاب الفعل أو حرض على ارتكابه، وذلك بهبة أو وعد أو تهديد أو إساءة استغلال سلطة أو ولاية أو تحايل أو تدليس إجرامي.

2- قدم أسلحة أو أدوات أو أية وسيلة أخرى استعملت في ارتكاب الفعل مع علمه بأنها ستستعمل لذلك.

3- ساعد أو أعان الفاعل أو الفاعلين للجريمة في الأعمال التحضيرية أو الأعمال المسهلة لارتكابها، مع علمه بذلك.

4- تعود على تقديم مسكن أو ملجأ أو مكان للاجتماع لواحد أو أكثر من الأشرار الذين يمارسون اللصوصية أو العنف ضد أمن الدولة أو الأمن العام أو ضد الأشخاص أو الأموال مع علمه بسلوكهم الإجرامي.

أما المشاركة في المخالفات فلا عقاب عليها مطلقا.”

 مهتم  بالتعمير 

منقول عن الانترنيت

عن Azziz_Bakouch

عزيز باكوش
2. مكلف بالإعلام والاتصال بالأكاديمية الجهوية للتربيةوالتكوين بجهة فاس بولمان
3. كاتب مهتم بشؤون الإعلام في مختلف تجلياته
4. مراسل معتمد لجريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية
5. مدير موقع فاس اليوم الالكتروني fes-today. com

شاهد أيضاً

الرابطة المغربية لحماية المال العام و الدفاع عن حقوق المواطن في بلاغ تضامني

                              …